الحكمة الخامسة و التسعون
((نعمتان ما خرج موجود عنهما، ولابدّ لكل مكوّن منهما، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد. أنعم عليك أولاً بالإيجاد، وثانياً بتوالي الإمداد))
لعلّ المراد بالموجود هنا الإنسان، إذ الكلام في هذه الحكم كلها إنما هو عنه، من حيث التعريف بهويته وبيان وظيفته، والتربية التي يأخذ الله بها عباده اليوم، والجزاء الذي أعدّه لهم في الغد القريب.
إذن فلا يدخل في عموم كلمة ((موجود)) الجمادات والحيوانات العجماوات، ونحوهما مما عدا الإنسان، اللهم إلا إن لاحظنا أن سائر الموجودات الأخرى من غير الإنسان، نعمة له هو، تدور على خدمته ورعايته، فالكلمة عندئذ تشمل الموجودات كلها، ويكون المعنى حينئذ أن إيجاد الله للمكونات نعمة للإنسان.
إذا تبين هذا، فإن ما يقصد إليه ابن عطاء الله في هذه الحكمة، هو أن سائر النعم التي يتمتع بها الإنسان، تتفرع - على اختلافها - من نعمتين اثنتين، هما أساس سائر النعم الأخرى.
النعمة الأولى، نعمة إيجاد الله الإنسان وخلقه له من العدم، والثانية نعمة مدّ الله الإنسان بأسباب استمرار الوجود، وحمايته مما قد يتهددها.
وإذا تأملت، وجدت أن سائر النعم الأخرى، وهي كثيرة ومتنوعة، تتفرع وتتكاثر من هاتين النعمتين الأساسيتين.
ولكن ربّ سائل يقول: فما الدليل على أن أصل وجود الإنسان من العدم نعمة له؟ بل ربما صيغ السؤال من قبل كثير من الناس بعبارة تنبئ عن نقيض ما يقرره ابن عطاء الله، يقول مثلاً: لماذا خلق الله الإنسان؟
والجواب أن وجود الإنسان منفكاً عن العوارض التي تتعلق به، لا يستبين فيه معنى من معاني النعمة ولا النقمة أو المصيبة. إذ الوجود وعاء لما قد يصادفه ويحلّ فيه. فهذا الذي يحلّ فيه هو الذي يضع في جوهر الوجود معنى النعمة أو نقيضها. وما نقوله في هذا عن جوهر الوجود هو ذاته الذي نقوله عن العدم أيضاً.
ولكن ابن عطاء الله يجعل من إيجاد الله الإنسان نعمة مستقلة بحد ذاتها فكيف ذلك؟
والجواب أن الحكمة الربانية التي استتبعت إيجاد الإنسان، هي التي أضفت عليه معنى النعمة، وجعلت من إيجاد الله له مكرمة له وأي مكرمة.
وما من إنسان علم هذه الحكمة، إلا واعتز بإيجاد الله له، وأيقن بالنعمة الكبرى المنطوية في وجوده.
أما الذين يتبرمون بوجودهم، ويسألون مستفهمين أو مستنكرين عن السبب أو الحكمة من إيجاد الله لهم، فهم في أحسن أحوالهم لا يفهمون شيئاً عن الحكمة التي تكمن وراء إيجاد الله لهذه الخليقة، والتي سأحدثك عنها. وربما كان أكثرهم ممن لا يؤمن بالله، ومن ثم فهم ممن يستوحشون من وجودهم الذي لا يعلمون مصدر انبثاقه، ولا يتبينون شيئاً من عواقبه ومصيره، لاسيما إن كانوا ممن طافت بهم المحن، وحلّت بهم المصائب، ولم يتح لهم أن يحققوا لأنفسهم الأحلام التي كانوا يسعون إلى تحقيقها.
من الواضح أن هذا الفريق من الناس، لن يدركوا أي نعمة تكمن في وجودهم من حيث هو، ومن ثم فلن يصدقوا هذا الذي يقرره ابن عطاء الله. وكيف يصدقون أن وجودهم نعمة، وهم يضيقون ذرعاً به، ويستوحشون منه، وتتوالى عليهم منه النكبات تلو النكبات. بل كيف يصدقون أنه نعمة، وإن الكثير منهم يطرق أبواب التخلص منه عن طريق الانتحار!..
وأكثر هؤلاء الناس، لا يؤمنون بالله، وإن جاء سؤالهم بصيغة: لماذا خلق الله الإنسان!.. إن سؤالهم هذا ليس صادراً عن رغبة في معرفة حكمة لا يعرفونها، من وراء إيجاد الله الإنسان، وإنما هو صادر عن لون من الجدل في وجود الله وألوهيته، وكثيراً ما يأتي جدال الملحد، بأسلوب من هذا القبيل.
ولكن فلنعد إلى ما قلناه، من أن الحكمة الربانية التي استتبعت إيجاد الإنسان هي التي أضفت على وجوده معنى النعمة. سيقول قائل: ما هي هذه الحكمة؟
والجواب أن الحكمة التي استتبعت إيجاد الله الإنسان، هي اختيار الله له خليفة في الأرض. ألم يقل عز وجل للملائكة: {إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 2/30].
ودعني أبدأ فأحذرك من أن تفهم من كلمة الخلافة هذه، المعنى المتبادر الذي يفهمه الناس منها عندما يخلف بعضهم بعضاً في بعض المهام أو الوظائف المنوطة بهم، ولعلك تعلم أن في الباحثين اليوم من لم يعرف من معنى ((الخلافة)) إلا هذا المعنى المتداول فيما بين الناس، فأنكروا، بسبب ذلك، خلافة الإنسان عن الله في الأرض، إذ لا يصح أن يكون الإنسان خليفة عن الله بهذا المعنى، وتأولوا الآية، ففسروا الخليفة بصفة الاستخلاف في الوجود ما بين جيل سابق من الناس وجيل لاحق، وهكذا...
غير أن هذا المعنى الثاني لا يعبَّر عنه بالخليفة، في اللغة، وإنما يعبر عنه بالخلَف، بفتح اللام إن كان صالحاً، وبسكون اللام إن كان فاسداً. قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} [مريم: 19/59].
أما ((الخليفة)) فهو من يخلف غيره في مهمة أو وظيفة ينهض بها. ومن هذا القبيل قول الله تعالى: {وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة} [البقرة: 2/30]، وقوله تعالى: {يا داوُودُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ} [ص: 38/26].
فما المهمة أو الوظيفة التي أوجد الله الإنسان ليستخلفه في النهوض بها؟
إنها تتلخص في تنفيذ مبادئ العدالة الإلهية وما تقتضيه الحكمة الربانية فيما بين الناس في الأرض. وقد كان الله قادراً على أن يحقق هذه المبادئ في حياتهم وفي علاقة ما بينهم بالغريزة الحتمية ودون اختيار أو قرار منهم، كما قضى ذلك في عالم الحيوانات والبهائم. ولكنه عز وجل شاء أن يضع فيما بينهم موازين العدالة وشرائع الحكم وسبل الحكمة، وأن يبصِّرهم بها ويعرّفهم على أهميتها، وأن يهبهم قدرة التصرف بالاختيار كما يشاؤون، ثم أمرهم بأن يوجهوا اختياراتهم -باسمه - إلى تنفيذ شرائعه فيما بينهم، وإلى أن يتبعوا حكمته في تسخيرهم المكونات التي من حولهم والتي أخضعها لسلطانهم.
فهم، إذن، إن استجابوا لهذا الذي طلبه منهم، فباسمه يتصرفون، ولأحكامه ينفذون، وهم في هذا الذي يقومون به إنما يكونون مظهراً لعدالة الله وحكمته ورحمته في كل ما يقضي به. فهذا هو مضمون عقد الخلافة التي شرّف الله بها الإنسان، والتي أعلن عنها لملائكته.
وانظر، كم هو جليّ هذا العقد، في هذه الآيات البينات من كلام الله عز وجل: {وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ، أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ، وَالأَرْضَ وَضَعَها لِلأَنامِ} [الرحمن: 55/7-10].
إذن فقد غدا إيجاد الله الإنسان نعمة له وأيّ نعمة. إذ الوسيلة التي لابدّ منها، والتي لابديل عنها، تأخذ حكم غايتها. ألا ترى إلى الدراهم كيف نعدّها نعمة من أجلّ النعم، مع أن النعمة الحقيقية ما هي أداة له ووسيلة إليه من المبتغيات التي تتوقف عليها حياة الإنسان. فكذلك الوجود الإنساني الذي هو الوسيلة التي لابدّ منها لشرف الاستخلاف عن الله، في إبراز عدالته وتنفيذ حكمه.
فهذه إذن هي النعمة الأولى التي يقع تحت منّتها كل موجود من البشر.
فإن رأيت من لا يشعر بهذه النعمة ويتبرّم بوجوده، فذاك لأنه هو المعرض عن النعمة التي سيقت إليه من خلال إيجاد الله له، كما يعرض من أكرمه الله بنعمة الرزق عن استعمال فيما هو محتاج إليه.
شرّفه الله بنعمة الاستخلاف من خلال إيجاده، فأعرض عن إلهه الموجد له، وأعرض على التبصر بمعنى وجوده وأهمية رحلته في فجاج الحياة، وعاقبة أمره بعد الموت، فوقع من جراء هذه الجهالة التي حكم بها على نفسه، في تيهٍ من الغموض زجّه في ظلام من الوحشة، حتى عادت نعمة الوجود عبئاً عليه، لاسيما إن فوجئ بنقيض ما كان يرنو إليه ويحلم به من آمال السعادة والمتعة، وربما دفعه ذلك إلى التخلص من حياته بأي وسيلة من وسائل الانتحار، وهي كثيرة ورائجة في مجتمعات الغرب. فهذا هو الذي يتبرم بوجوده، ويظل يسأل سؤال المستنكر المهتاج على القيم وموجدها: لماذا خلقه الله، بل لماذا خلق المكونات، بما فيها الإنسان.
والحوار مع هؤلاء الناس يجب أن يبدأ بغرس دلائل الإيمان بوجود الله عز وجل في عقولهم، ثم الانتقال بهم إلى النتائج المتفرعة عن هذا الإيمان.
ولكن هل تشكل جهالة هؤلاء الناس، وما قد أورثته من عقد، بل أمراض، في نفوسهم، على هذه الحقيقة التي يذكرنا بها ابن عطاء الله، وهي أن نعمة الإيجاد هي أولى وكبرى النعم التي امتن الله بها على الأسرة الإنسانية جمعاء، بقطع النظر عن حال من جهلها أو تجاهلها فلم يسعد ولم يتمتع بها؟
أعتقد أنك لن ترى في ذلك ما قد يشكل على هذه الحقيقة، لاسيما بعد أن أوضحت لك علاقة وجود الإنسان باستخلاف الله في الأرض، وبعد أن بيّنت لك المعنى المراد هنا بالاستخلاف.
* * * |