الحكمة الستون
((أنت حرٌّ مما أنت عنه آيس، وعبد لما أنت فيه طامع))
الآيس واليائس بمعنى واحد، وهو القانط، فأيس مقلوب يئس كما يقول جلّ اللغوين.
وهذه الحكمة، مع اللتين قبلها، تدور، كما ترى، على محور واحد. هو التحذير من الطمع في المخلوق ونسيان الخالق.
قالوا إن رجلاً كانت له مشكلة استعصت على الحلّ، قيل له: إن فلاناً من الناس ذو صولة ووجاهة وقدرة نافذة، فامض إليه وحدثه عن مشكتك في رجاء واستعطاف، تصل إلى ما تبتغيه. ففعل ما قيل له، وأخذ يتردد عليه ويستعطفه في قضاء حاجته، ويتودد له، دون أن يستفيد منه شيئاً.
فلما يئس منه، واستغلقت السبل أمامه، قطع سبيله إليه، واتجه إلى الله عز وجل يطرق بابه بالمسألة والدعاء، وما هي إلاّ أيام مضت حتى جاء من يخبره بأن مشكلته العويصة قد حلت، وأنه قد وصل من مبتغاه إلى ما يريد. فازداد بهذا الخبر تعلقاً بالله وتذللاً على بابه، وتحرراً من أسر ذلك الذي قاده الوهم إلى التعلق به والتذلل له واستعطافه لحلّ معضلته.
على الرغم من أنهم يرْوون ذلك حادثة شخصية جرت، إلا أنها في الواقع قاعدة دائمة تُسْتَلُّ منها هذه الحكمة.
إن يأسك من الشيء يعني تحررك من سلطانه، وخروجك من أسر التذلل له وحاجة توددك إليه واستعطافك له.. في حين أن آمالك في إمكان الاستفادة منه يطمعك فيه، وطمعك فيه يوقعك في براثن العبودية له.
تلك هي القاعدة التي تنطق بها هذه الحكمة.. وإنها لقاعدة صحيحة مطردة.
والنتيجة التي ينبغي أن نعود بها، من فهم هذه الحكمة، وإدراك أنها قانون دائم، أن على الإنسان الكريم على نفسه المعتز بذاته أن لايطمع إلا بمن لايغير الطمع من علاقته به شيئاً.. ولايصدق ذلك إلاّ على الله عز وجل. فالإنسان عبد مملوك لله على كل حال، طمع به أم لم يطمع، سأله أم لم يسأله. إذن فطمعه به وتذلله له وانكساره بالدعاء بين يديه لايغير من واقع حاله تجاهه شيئاً، بل إن موقفه هذا ليس إلا وضعاً للأمر في نصابه، وتنسيقاً للسلوك مع الحقيقة والواقع.
ولن يتحول عن هذا النصح إلى نقيضه إلاّ من كان مهيناً في نفسه، استوت لديه، وفي حق ذاته، الضّعة والكرامة - فهو الذي يعلق آماله بأمثاله، ثم يبني عليها الأطماع بهم، ثم يسلك السبيل بأطماعه إليهم على أرض من التذلل والتحبب والمداهنة والصغار.
* * *
وانظر.. تجد أن ابن عطاء الله يجنّد حِكَمه الثلاث هذه لهدف واحد، هو ترسيخ حقيقة الحرية بين جوانحك. وقد علمت مما أوضحته لك من معاني الحكمتين السابقتين، أنه إنما صاغ لك هذه الحكم الثلاث واستخرج معانيها، من كتاب الله عز وجل ومن بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بوسعك إذن أن تعلم، إن لم تكن قد علمت بعد، أن الدين الحق الذي ابتعث الله به الرسل والأنبياء، وختمهم ببعثة آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، إنما جعله الله حصناً لحرية الإنسان، بل هو الحصن الوحيد الذي لابديل عنه لحمايتها من الآفات التي تتهددها.
وما الحرية، في معناها الواضح البسيط الذي يفهمه كل عاقل؟
هي أن يطمئن الإنسان إلى أن لا سلطان لغير من هو عبد ومملوك له، عليه.
وهذا يعني أن المدخل الذي لابديل عنه إلى حصن الحرية الحقيقية، أن يبدأ الإنسان فيتعرف على هويته، ولسوف يعلم - إن هو بحث بجدّ وصدق - أنه مملوك للإله الذي خلقه فصوره في ظلمات الرحم كيف يشاء، ثم يسّر سبيله للخروج إلى فضاء هذا العالم، ثم قضى بأن يميته عند حلول الأجل المحدود، ثم ينشره ويعيده إلى حياة أخرى خالدة باقية في الميقات المحدد والمعلوم له. وإذا علم أنه مملوك له حقاً، علم أنه إذن عبده بالواقع والاضطرار، مهما حاول وتصرف، ومهما استغنى أو افتقر، ومهما عزّ أو تذلل، ومهما ضعف أو اقتدر.
يقين الإنسان بعبوديته ومملوكيته لهذا الواحد، يدفعه إلى أن يدين بالولاء والخضوع له وحده، دون سائر الكائنات الأخرى على اختلافها وتفاوتها في الأهمية.
فمهما لاحت له مظاهر القوة أو مقومات السلطة أو بوارق الضرر والنفع، في شأن أناس من أمثاله من البشر، لايقيم لشيء من ذلك وزناً ولا يوليه أي أهمية أو اهتمام.. ومن ثم فإن ذلك كله مجتمعاً لن يقوى على انتقاص شيء من آفاق حريته. إذ قد انحصرت الفاعليات كلها، في يقينه العقلي، في ذات واحدة هو الله عز وجل. وكل ما عداه ومن عداه مملوك له مسيّر تحت سلطانه داخل قبضته.
فإن قلت: فإن هذا من شأنه أن يتمرد صاحب هذه الحرية، على الأنظمة والقوانين، لأنها من نتائج سلطان أمثاله من الناس على المجتمع الذي يعيش فيه.
فالجواب: أن من حقه - إن علم أن هذه الأنظمة والقوانين إنما سيقت إليه ليتقيد بها، بابتداع من الناس الذين هم مثله عبيد لله عز وجل - أن يتبرم بها ويتمرد عليها ما لم تكن له شركة حقيقية في وضعها والاقتناع بها.
ومن هنا كان العلاج الذي لابدّ منه لتوفير رضا الناس الذين عثروا على حرياتهم الحقيقية من خلال المدخل الذي ذكرته لك، أن تكون الأنظمة والقوانين الحاكمة فيهم، هابطة إليهم من عند الله، لامقترحة ومن ثم مفروضة عليهم من قبل أمثالهم من الناس.
وتلك هي الحكمة من أمر الله عباده بأن يعودوا فيما يحتاجون إليه من الأنظمة التي ترعى شؤونهم وعلاقات ما بينهم، إلى شرعة الله وحكمه، ومن تحذيره لهم من أن يستبدلوا بها ما تفرضه الفئة المتغلبة أو القوى الحاكمة.. إذ سيكون ذلك مبعثاً إلى أحد أمرين اثنين أحلاهما مرّ:
إما أن تتهارج الفئة المتحكمة والحاكمة، مع الفئات الأخرى، فيستفحل الخصام ولن يسود الوئام، وإما أن تكون الفئات الأخرى من الضعف بحيث لاتستطيع أن تجابه أو تتحرك.. فيكون ذلك عندئذ انتقاصاً لحريتها وهدراً لكرامتها وتقوقعاً غير مقبول منها في مناخ المهانة والذل. وانظر إلى هذا المعنى كم يتألق واضحاً في قول الله عز وجل: {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنَّ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 3/64].
وهذا المعنى الشمولي لأثر الحرية الإنسانية عندما تسود، وأثر غيابها لأسباب مما قد ذكرت، هو المعنيّ بقول الله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 2/208].
ثم إن التحرر من سلطان الغرائز المهتاجة والأهواء الجانحة، ليس أقلّ أهمية من ضرورة التحرر من سلطان الآخرين وقيودهم.. ألا تسمعهم جميعاً يقدّرون ويبجلون ما يسمونه ((قوة الإرادة)) وينشدونها مطلباً سامياً في أنفسهم وفي أصدقائهم وأقرانهم؟ فما المعنى المراد بهذه الكلمة القدسية في رُؤاهم وقناعاتهم؟
إن المعنى الذي يريدونه منها أن يتمتع الإنسان بقدرة كافية على كبح جماح أهوائه وغرائزه عندما تشتط إلى حيث الخوف والخطر.. والإنسان الذي يتمتع فعلاً بهذه القوة، فلايريد إلا ما تدعوه قناعته العقلية إلى إرادته وفعله، مكان إعجاب وغبطة من الآخرين.
إن الذي يعاني من ضعف هذه الإرادة، فتجتاح به غرائزُه وأهواؤُه حدود مصالحه ومنافعه الشخصية، إلى اقتحام ما لاشك في خطره أو ضرره على النفس، مستعبد بيقينه واعترافه لأسوأ قوى تتربص به السوء وتستدرجه إلى الهلاك أو الشقاء، وآية ذلك صراعه الدائب بين وحي عقله وجماح غرائزه.
وإن بوسعك أن تتبين مزيداً من الدليل البين على ما أقول، عندما تتأمل في حال من استيقظت عقولهم إلى الحق من هؤلاء الإخوة الشاردين، تجد أن كثيراً منهم يقع عندئذ في خصام بين ما يدعوه إليه عقله، وما تعودت عليه أهواؤه وغريزته، ولربما كان فيهم من لايريد أن يكشف لك عن خفيّ هذه الحالة التي تنتابه، كي لاتتهمه، فتنتقصه، بضعف الإرادة، وبتسلط أهوائه الجانحة عليه، وعجزه عن التحرر منها.. وهذا هو الدليل الذي لا مفرّ منه على أنه قد شخّص في نفسه هذه النقيصة وأهمه أمرها، ومن ثم فهو يحاول أن لايعرفها ولا يكتشفها فيه أحد.
إن هذا الوضع المأساوي المزدوج يجتاح اليوم المجتمعات الغربية بشطريها الأوروبي والأمريكي.. إن شعار الحرية يتألق اليوم في تلك المجتمعات، كما تتألق أضواء النيون في ظلمات الليالي الحالكة، ومع ذلك فإن حياة الإنسان الغربي أحوج ما تكون إلى التمتع بهذا الشعار!.. إن ألسنة الناس هناك تظل تنشد نشيد الحرية، ولكن أوضاعهم السلوكية تمضي بهم إلى مزيد من قيود الاستعباد!..
أين هي الحرية في حياة أولئك الذين استعبدتهم المخدرات، فأفقدتهم نضرة السرور، وأبدلتهم بها وجوهاً صفراء شاحبة، تراهم هناك.. في أنفاق المترو أو محطات القطار، يبحثون عن اللاشيء، وينتظرون اللاشيء، ويقودون حياتهم جسراً إلى ما لايعلمون!..
أين هي الحرية في مستقبل حياة مالا يقل عن 30% من تلامذة المدارس الابتدائية في أمريكا، يعالجون علاجاً مستمراً بجرعات محددة من المخدرات، بإشراف أطباء مختصين، حفاظاً على القدر الذي لابدّ منه من التوازن النفسي والفكري لرعاية أوضاعهم المدرسية والاجتماعية.
أين هي الحرية في حياة من يقودهم ((الروتين))؟!.. ينيمهم ويوقظهم ويحركهم إلى المعامل والمصانع والوظائف الروتين، ويدفعهم إلى الأسمار والسهرات والحفلات الروتين، ثم يقودهم إلى النهاية مصير الروتين؟
ولايحجبك عن هذا الواقع المأساوي الذي يحتاج المجتمع الغربي، واقع حفنة من القادة يمسكون بأزمة الحكم اعتماداً على عتاد من القوة، وكنز من الثروة، وساسة يقودون دفة الحكم. فإن سيطرة هذه الحفنة لاتعني غياب هذا الواقع المأساوي أو عدم وجوده، ولاتعني أن الحرية الإنسانية الصحيحة هي التي تقود حركة الناس هناك.. ألا فلتعلم أن رجال البيت الأبيض وأعضاء الكونغرس في أمريكا شيء، والشعب الأمريكي الضائع بين تلافيف جهله ومعاناته النفسية وغيابه عن التعامل مع الجذور والذات شيء آخر ولتعلم أن رجال الحكم هناك لاتعنيهم في شيء رواسب المشكلات في القاعدة الشعبية، ما دامت قبضتهم على الحكم قوية وسلطانهم على الآخرين ممتداً وراسخاً.
تلك هي فلسفة التناقض بين كل من ظاهر أنظمة الحكم الراسخة، وواقع البنية التحتية، في المجتمعات الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً.
غير أن التعايش الراهن بين هذين النقيضين لن يدوم طويلاً، ولن يكتب له من العمر أكثر من وسطيّ العمر الذي يتمتع به عادة الجيل الواحد.
وحلّ التناقض لابدّ أن يتمثل في إحدى نتيجتين: الأولى، الانتهاء إلى مضيق نفسي واجتماعي يعقبه الانهيار الذي لابدّ منه على سائر الأصعدة الحضارية المتنوعة؛ والثانية أن يتضاعف التجاء الناس هناك، في البنية التحتية، إلى الإسلام، فتتوالد من ذلك وتتكاثر عوامل الإقبال عليه والاستئاس به، إذ يعثر الناس من خلاله على ذاتيتهم وهوياتهم ويجدون عن طريق الاصطباغ به السبيل الحقيقية إلى حرياتهم.. ولابدّ أن يكون ذلك إيذاناً بتحويل المجتمعات الغربية، قبل أن تخسر شيئاً من منجزاتها الحضارية، إلى الإسلام. ولسوف تكون المجتمعات الإسلامية التقليدية اليوم سعيدة حينئذ بأن يظل الغرب، الغرب الذي يتبوأ حينئذ عرش الإسلام ويتحلّى بصبغته، هو الممسك بزمام القيادة، وهو المخطط لنظام العولمة.
ولايقولن قائل: والمسيحية؟.. أفيخلع الغرب عندئذ رداءها ويرتدّ عن إيمانه بها؟... لأنا نقول: وهل يرتدي الغرب اليوم رداء المسيحية، أم هل يخضع لشيء من سلطانها؟ إن الغرب لا شأن له بالمسيحية من حيث هي دين يلتزم بضوابطه وأحكامه، قط. والمجتمع الغربي أبعد ما يكون اليوم عن الاهتمام بالمعتقدات المسيحية أو الالتفات إليها، فضلاً عن التمسك بشيء من أحكامها وأدبياتها.
إن المجتمع الغربي يعيش اليوم في فراغ، بل في ظمأ، من حيث العثور على أجوبة عن الأسئلة الدينية الكبرى التي تلح على فكر الإنسان الغربي... وإنه أمام الحيرة التي يعاني منها لايرى أمامه سوى سبيل الفرار منها إلى بؤرة الانغماس بين أمواج النسيان.
ولو كانت المسيحية ذات سلطان فعال على فكره وسلوكه، لما تزايد الإقبال الذاتي على الإسلام هناك يوماً بعد يوم، ولما وجدوا فيه الملاذ الأوحد من همومهم التي لم يخلصهم منها ألق الحضارة ولا كنوز المال ولا عجائب العلوم والاكتشافات.
قبل سنوات تعرفت على رجل بلجيكي رأيته في المركز الإسلامي في بروكسل.. عرفت من خبره أنه كان طياراً لامعاً ذا مركز مرموق، على الخطوط البلجيكية، إلاّ أن عدوى الانجذاب إلى المخدرات سرت إليه، فتحكمت به وهيمنت عليه مع الأيام والشهور، ولم تنجح سبل المكافحات لهذا الداء على اختلافها في إنقاذه من البلاء الذي تحكم به، فكانت العاقبة التي لابدّ منها أن فقد وظيفته، وقعد متفرغاً يجترّ بلاءه الذي تمكن منه وأحاط به.. وشاء الله أن يسمع عن الإسلام ماشدّه إلى دراسته والتعرف عليه، فما هو إلا أن سرى الإسلام إلى عقله يقينا وإلى نفسه محبة وأنساً، فاعتنقه وألزم نفسه بمبادئه وأحكامه. يقول: فما هو إلا أن أيقظني الإسلام إلى إرادة قوية لم أكن قد شعرت بها يوماً ما في كياني، وما هو إلا أن قادتني هذه الإرادة إلى التحرر من سائر الموبقات التي كانت قد استعبدتني، وفي مقدمتها الوقوع في براثن المخدرات، ولقد عدت من بعد إلى عملي، طياراً على الخطوط البلجيكية.
ولقد علمت من بعد، أنه كان قد جاء على موعد، لمقابلة مدير المركز الإسلامي في بروكسل آنذاك، الأخ الفاضل الشيخ محمد العلويني، ليخبره عن تبرعه بأرض يملكها في إحدى ضواحي بروكسل، وعن رغبته في أن تبنى مسجداً ومعهداً للعلوم الشرعية.
أليس هذا هو التحرر الحقيقي الذي لايرتاب فيه إلا مكابر؟
أليس التحرر الداخلي من غوائل النفس، هو البوابة التي لابدّ منها إلى التحرر الخارجي؟
ثم هل بوسعك أن تعثر على سبيل يوصلك إلى هذا التحرر إلا سبيل الإسلام، الإسلام المهيمن الفعال لا الإسلام التقليدي المحنط؟
إذن فتعال نردد معاً حكمة ابن عطاء الله التي تصيدها من كتاب الله عز وجل، كما قد علمت: ((أنت حرٌّ مما أنت عنه آيس، وعبد لما أنت فيه طامع)). |