أبو القاسم حاج حمد وتشريعات الأسرة في الإسلام

السبت, February 22, 2014
كاتب المقالة: 

يظهر المرحوم الشيخ أبو القاسم حاج حمد كباحث أكاديمي بل كعالم إسلامي مجدد وعصري في النظر في تراث الإسلام الفلسفي والأخلاقي والروحي والتشريعي والعائلي، من خلال اهتمامه بتوضيح الضوابط الإسلامية للحركة البنيانية في المجتمع، والتي تتكون في بنائها ثقافة كل مجتمع، وتتكون في إطار هذه الثقافة حضارة توفر الشروط والضمانات الضرورية لأفراد ذلك المجتمع وأسره. ففي كل ما حدّده من ضوابط في فصول كتابه الأثير: «تشريعات العائلة في الإسلام» (257 صفحة تقريباً) في الإطار البنياني، أو الإسلامي أو التشريعي، إنما يثري المفكر الإسلامي برؤية جديدة، يتعامل من خلالها مع القيم التاريخية للإسلام الحضاري والاجتماعي، ومع الأصالة التحديثية العريقة التي أودعها الإسلام ضمير العالم الإسلامي المتفقه والمجدد عبر العصور المتعاقبة. فكأن الفقيه والعالم الإسلامي المجدد حاج حمد، إنما كان يدعو إلى بعث هذه القيم في إطار نهضة حقيقية، ترتكز في أساسها على ما ارتكزت عليه الدعوة، بل الثورة الإسلامية في عهد النبوة. ولهذا نراه يربط بين معطيات السنن الإلهية في تطوير المجتمعات وتحديثها وتغييرها، وبين نجاحها الفعلي في كل أمة اتخذت هذه السنن في مواجهة مستقبلها، مهما كان اتجاهها الفكري أو المذهبي. إذ إن هذا الربط بين التشريعات العائلية الإسلامية الأصيلة والرؤية المجددة لقراءتها لأجل التطوير والتحديث على صعيد المجتمع، إنما هو تأكيد للقاعدة التي هي سنّة اللّه لا تبديل لها. فالله «لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». أما تغيير ما بالنفس، إنما هو تغيير ما بالفكر من رؤية للأمور، وتغيير ما بالروح من رتابة وجمود. ولهذا ربما نجد في صوت المرحوم حاج حمد وفي فصول كتابه هذا، وفي كثير من أبحاثه ومقالاته الإسلامية الكثيرة الأخرى، صوتاً عالياً وأحياناً منفعلاً، وهو يرى غفلة الأبصار عن حقيقة الدعوات المأزومة والمهزومة والتي تنال من كرامة المجتمع الإسلامي ومن كرامة أسره الكريمة التي تئن تحت وطأتها. وهذا ما يساهم في ضياع ما كان للإسلام من صدمة إيجابية في أول عهده على صعيد المجتمعات العربية والإنسانية، ومن أمل في بعث الرؤية الجديدة لمستقبل الأمة العربية والاسلامية، وتحويلها إلى قيمة بنيانية ذات بعد إنساني وعالمي. يتأسس كتاب حاج حمد على مداخل تنويرية تبحث في مثيرات الاجتهاد والتجديد، فينظر في مصادر الإضلال والتزييف والدس من خلال الموضوعات الشائكة التي خاض فيها كثير من علماء المسلمين قبله مثل مسألة النظر في إبليس وخصائصه، أو في دور اليهود في الدس والتزييف، أو ارتدادات الغفلة والسهو في البحث والتدليل والتعليل، وفي دور الاجتهاد في قراءة الأصل قراءة متأنية لأجل حفظ الأمانة لا لإسقاطها! ولهذا كله، نراه يعول على دور الاسترجاع النقدي القرآني، متسائلاً عما إذا كان القرآن الكريم كتاباً مدرسياً أو كتاباً إلهياً، آخذاً على العلماء الاستغراق في علم الأصول وعلم الصيغ وعلم حدود الألفاظ أكثر من تبيان وجوه الدين الإسلامي الفكري الحنيف، ورد التفاصيل الكثيرة إلى جوهر واحد. «قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً» (الكهف: 109) يبحث حاج حمد رحمه اللّه أولاً بأول في العائلة الأولى، متحدثاً عن سلطان الأسماء بحكم الروح، وعن العائلة الآدمية قبل الهبوط من الجنة. ثم لا يلبث أن يناقش بعد ذلك مسألة العائلة الآدمية والهبوط إلى الأرض: مثل سر الهبوط ومعنى الجنة والقسم الأول الكاذب على اللّه والريش ولباس التقوى. ثم نراه يعطف ذلك على العبادات الحسية والمتغيرات الطبيعية، إذ يرى أن العبودية ليست استرقاقاً أو أن جوهر الخلق ليس هو الشقاء بعينه كما يذهب إلى ذلك كثير من المتفقهين. وفي بحث مميز، يعالج حاج حمد مسألة الأخلاق وفلسفة العلوم الطبيعية، شارحاً خطأ الاستدلال الذي وقع فيه بعض علماء المسلمين، ومبيناً كيفية طرح القرآن الكريم للمسائل الخلقية والطبيعية المعقدة، متوقفاً عند انحراف فلسفة العلوم الطبيعية عن حدود الأنساق الفلسفية الأصيلة. «فهذه أزمة اللاهوت الأرضي الذي لم تر ماديته إلاّ نصف الحقيقة في المادة نفسها» (ص 131). ويستأنف باحث تشريعات العائلة في الاسلام النظر في النهج الروحي الذي يجب على المسلم أن يسلكه في حياته، ففي ذلك تتجلى كمالات النفس الإنسانية من خلال اتصالها بروحية الإسلام. وهذا في نظرنا هو الذي دعاه في ما بعد الى الحديث عن الضوابط التشريعية للعائلة في الإسلام، ومظهر تلك الضوابط وشرعة التخفيف، شارحاً الأسباب التي حرّمت الزنى وما يتصل به وما ينتج منه، ومتسائلاً عن اسرار كشف اللّه سبحانه لمستور الأنبياء وعن جعل الزواج من امرأة واحدة هو الأصل في الإسلام، قائلاً إن اللّه أخذ الذرية من الظهور وأنه تعالى حذر من خيانة الأمانة. وهو في نظره إنذار إلهي يجب الاتعاظ به (ص 183). لأن اللّه شرّع للكون بشرعة الصلاح لا بشرعة الفساد «وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين» («الدخان»: 38). وفي أخلاق العائلة الروحية، يبدأ المؤلف بالحديث عن العقاب الإلهي وضرورة الترقي لدى الإنسان. كذلك يتحدث عن الضوابط العامة الأخلاقية للعائلة، مثل ضرورة غض البصر وحفظ الشهوة وإبداء الزينة وضرب الخمار على الجيوب، من دون أن ينسى الحديث عن إشكاليات التزمت العرفي المقيت مع صحيح القرآن في مسائل الحجاب والتبرج والخضوع بالقول والاختلاط بين الذكر والأنثى ومحرمات الزواج، مبيناً أن الدعوة الإسلامية هي خاتم الأديان، وأنها هي الأخف شرعة بينها. وقد أفرد الباحث فصلاً خاصاً بعنوان «المقام المحمدي»، للتنوير على حياة الرسول الكريم وما اتصل بها من اقوال ومشاعر وصفات. وكان للشيخ العالم المتنور حاج حمد رحمه اللّه، قراءة مستنيرة لما سمّاه «الأخلاقيات التوجيهية» في سورة «النور»... حيث تحدث عن زواج القاصر وعن التشريعات العائلية في هذه السورة الكريمة. وكذلك عما سمّاه «الفضائح من خطوات الشيطان»، مؤكداً ضرورة الاستشعار بحرمة البيت لأجل بناء أسرة كريمة، متوقفاً عند الأمر بتسهيل الزواج (ص 248)، وعن متاحات التداخل العائلي من جهة وبناء بيوت الرحمة للعجزة والأيتام من جهة أخرى. وقد خلص إلى نتائج هامة في بحثه: إن القصد إنما هو النفس ونورها الداخلي. إذ المطلوب صفاء النفس وخلاصها حتى لا يقع المسلم في الإيمان ونقيضه (ص 253). والله يريد للإنسان أن يراه حراً بطاقة السمع والبصر والفؤاد، متسامياً فوق البهيمية ليستخلفه في الكون، حيث يكون له الخلود ويكون له المجد، إذا ما حافظ على عدم السقوط في الدناءات. فموضوعات حاج حمد إنما تضعنا أمام حقيقة واضحة. حقيقة ترقب حركات المجتمعات الإسلامية المعاصرة بنظرة موضوعية لا عقدة فيها، ولا كراهية لأي إنسان مهما كان وأينما كان. بل هي تشفق عليه، وهو الذي استطاع أن يحسن الفصل بين واقع تشريعات العائلة في الإسلام تاريخياً، وتجربة الإسلام الاجتماعية والعائلية المتوالية. ونظرته تأخذ من هذه التجربة بمقدار ما يوضح القاعدة الأساسية التي هي من سنن الشريعة الإلهية، مستعيداً تجربة تستنّ معطياتها من واقع المشكلة بعد تحليل عناصرها، من دون التأثر بالمفاهيم التي زرعت فأسدلت الستارة على أبصارنا. فنحن ندرك مشروعية قراءته نظراً الى الأزمة التي أحدثتها الاستلابات اللاهوتية والوضعية لمسألة الأخلاق بشكل عام والحريات الفردية وما يترتب عليها من مسائل فلسفية وتشريعية وحقوقية. وبذلك «يصبح الإسلام من الروافد المعرفية الهامة»، كما يقول محمد العاني في مقدمته التوضيحية في هذا الموضوع (ص 12).

المصدر: 
الحياة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.