الباحث المغربي خالد التوزاني: التصوَّف بحث عن التوازن النفسي والكوني

الثلاثاء, July 10, 2018
كاتب المقالة: 

 خالد التوزاني مفكر وناقد مغربي، وباحث صوفي، أصدر خمسة مؤلفات، يبحث من خلالها عن معنى وقيمة الوسطية والإيمان العقلاني، وهي.. «التصوف الإسلامي: نحو رؤية وسطية»، «الرواية العجائبية في الأدب المغربي: دراسة نفسية اجتماعية»، «جماليات العجيب في الكتابات الصوفية: رحلة (ماء الموائد) لأبي سالم العياشي»، «الرحلة وفتنة العجيب: بين الكتابة والتلقي» و«أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية». كما شارك في تأليف تسعة كتب مع مفكرين ونقاد آخرين، فضلا عن نشر أبحاث في صنوف المعرفة المختلفة، سواء في دول المهجر أو داخل الوطن العربي. هنا نص الحوار معه..

ما الذي جاء بك إلى الأدب واللغة والتاريخ والتراث وكل هذا التشعب الثقافي والمعرفي؟
في بلدي المغرب، الثقافة شمولية، فالشاعر قد يكون فقيها، والفقيه فيلسوفا، وعالم الرياضيات يكتب الشعر أيضا، وهكذا، لم يكن التفريق بين التخصصات واردا في الثقافة المغربية، بل كان طالب العلم أو المثقف بتعبير عصرنا الحالي، يقرأ كل العلوم ويشارك فيها، ولم تنتشر ظاهرة التخصصات العلمية إلا في الآونة الأخيرة، خاصة بعد استقلال المغرب سنة 1956، حيث تم تحديث نظام التعليم والتكوين في المغرب، وأصبحت درجة الدكتوراه تُعطى في تخصص واحد، ولكن في السابق كانت هناك درجات أخرى تسمى «العالمية» وتدل على أن صاحبها أصبح عالما مشاركا في العلوم والآداب، ولا شك أن المغاربة اليوم تأثروا بهذه الروح العلمية الموسوعية، فنجد العديد من الباحثين المغاربة لم يحصروا أنفسهم داخل تخصص وحيد، وإنما تطلعوا للنهل من باقي التخصصات الأخرى.

في السنوات الأخيرة ظهر الاهتـمام بثقافة التصوف وما يعنيه من رؤية لواقـــــع عربي جديد. فهل التصوف عالمي أم عربي إسلامي؟ وهل هو المنطقة الوسطى بين كل ما هو متناقض وباحث عــــن الاستقرار؟
من خلال تتبع الإصدارات الجديدة لا يحتاج المرء كبير عناء كي يلحظ كثرة المؤلفات التي اتخذت من التصوف موضوعا لها، كما أن الكثير من المجلات العلمية اهتمت بنشر مقالات عن التصوف، وهناك دوريات خصّصت بعض أعدادها لبحث قضايا في التصوف وعلاقاته بحقول معرفية متباينة ورصد امتداداته الممكنة، وقد ولج التصوف مجال الصحافة والإعلام أيضا، فنجده حاضرا في بعض القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية، من خلال برامج خاصة تسلط الضوء على جوانب من التجربة الصوفية، فضلا عن الصحافة الورقية والإلكترونية، كل ذلك يعكس العودة القوية للتصوف ليكتسح الساحة الثقافية المعاصرة، ويضاف إلى ذلك أيضا ترميم كثير من المؤسسات الصوفية، خاصة بعض الزوايا والأضرحة والمدارس والمساجد التاريخية، التي لعب فيها التصوف دورا رياديا، وكذلك من خلال الدراسات الجامعية العليا، سواء في مواضيع للدكتوراه أو من خلال فتح وحدات بحث متخصصة في التصوف فكرا وإبداعا، لذلك لا بد من تناول التصوف الإسلامي بعيدا عن كل المزايدات السياسية والخلفيات الأيديولوجية الضيقة، فيكون الإنسان في جماله وكماله المبتدأ والمنتهى، ويكون الفناء في المحبة الإلهية غاية سامية تشد إليها الرحال وتبذل النفوس في سبيلها كل غال ونفيس. فجزء كبير من التراث الصوفي يتم النظر إليه باعتباره رصيدا ثقافيا وفكريا معزولا عن سياق الواقع ولا يمكن استثماره أو الاستفادة منه بسبب انحرافه أو المبالغات التي ترد فيه، أو عدم إمكانية تطبيقه في واقع تكنولوجي معقد، وسياق حضاري بمواصفات غربية وافدة لا تعترف بالروحانيات والغيبيات، ولعل هذه النظرة المجحفة تجاه التصوف هي التي جعلته مرتبطا عند البعض بالتطرف والبدع والضلالات، وفي أحسن الأحوال يتم النظر إليه باعتباره ماضٍ حضاري لم يتبق منه إلا الجانب الشعبي والطقوسي، الذي لا يرقى لانتظارات الأمة الإسلامية في العصر الحاضر، فلا تعوّل عليه كثيرا، وهي نظرة غير موضوعية، لأن التصوف شكّلَ في كثير من الحقب التاريخية صمام أمان للمجتمعات؛ فعمل على حماية استقرارها أمام التيارات الوافدة والأفكار الدخيلة، كما وقف حجرة عثرة أمام المستعمر، فدعا للمقاومة وانتزاع الاستقلال، وعمل أيضا على تخليق الحياة العامة بزرع المحبة والسلام والتعايش والوئام، وهي قيم كونية لا تتغير، بل تتجدد الحاجة إليها في كل عصر، وبهذا المعنى فإن التصوف أصبح ظاهرة عالمية، ومنطقة وسطى بين الدين واللادين، أي بين الأخلاق والفوضى. أما عن عالمية التصوف.. فيمكن القول بداية إنه لا إنسان بغير دين، والتعمق في الممارسة الدينية قد يؤدي إلى نشوء ألوان من الروحانيات، وإذا كان التصوف الإسلامي مرتبطا بالدين الحنيف، فإن التجربة الروحية باعتبارها من الظواهر الإنسانية، قد عرفتها أغلب المجتمعات، بل حتى عند بعض الشعوب البدائية في أقصى الأرض، فالروح الصوفية قابلة للنشوء في كل بيئة دينية تفترض وجود عالم آخر تصبو إليه.

وهل هذا الجنوح نحو التصوف فرضته الظروف التي يمر بها العالم الإسلامي، خاصة بعد الربيع العربي؟ أم أيديولوجية جديدة يراد لها أن تكون الحل والعلاج؟
الجنوح نحو التصوف، يمكن تفسيره من منظور علم النفس، بأنه يلبي حاجة نفسية لدى الإنسان، فيحقق له نوعا من الإشباع النفسي والأمن الروحي والشعور بالحماية، وأيضا الخلاص والنجاة من تأنيب الضمير أو سوء العاقبة والمصير، ما يجعل التصوف عاملا مهما من عوامل تحقيق التوازن في حياة كثير من الأفراد، ذلك التوازن الذي لا يتحقق إلا بثورة الإنسان على ذاته وطباعه، كما يقول ماسينيون.
فالتصوف بهذا المعنى رد فعل ديني واجتماعي منفرد عندما تختل الموازين وتختلط المفاهيم وتضيع الحقوق، وعلى رأسها حق الله في أن يعبد، ولعل ذلك، ما دفع بعض الباحثين إلى ربط انتعاش التصوف وازدهار الروحانيات بواقع الأزمة، وفي المقابل فقد وُجِد من الباحثين من يعتبر الترف وليس الأزمة هو الذي أفرز التصوف، حيث إن طغيان مظاهر الترف والبذخ دفع بالعديد من العلماء إلى التنبيه لضرورة التركيز على الجانب الوجداني الروحي. فالأزمة لا تعني البؤس بالضرورة بقدر ما تدل على فقدان التوازن واختلال النظام عموما، ذلك أن الجمع بين مطالب الدين والدنيا، وعالم الغيب والشهادة، هو غاية التربية الصوفية، أي بناء شخصية مسلمة سوية، وهو ما يطلق عليه في الأدبيات الصوفية بالإنسان الكامل، حيث شكّلت رغبة الإنسان في بلوغ درجة الكمال دافعا لخوض غمار التجربة الصوفية.

في كتابك «التَّصَوُّفُ الإسلاميّ؛ نَحو رُؤية وَسَطيَّة» عرّفت التصوف. فهل هذا التعريف قار؟ أم أنه أيضا يواجه انتقادا كما يواجه التصوف من انتقادات ذكرتها في الكتاب ذاته؟
إن تعريف التصوف ضرورة منهجية لمقاربة الموضوع علميا، لأن الحُكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره، وتحديد المفاهيم خطوة أساسية في العلوم الإنسانية ومقدمة لابد منها، ولذلك كان لابد لي من الإحاطة بمجمل التعاريف التي قاربت التصوف، والنبش في أًصوله الأولى وتاريخ تطوره، وقد تبيّن لي أن هذا المفهوم غير قار وغير ثابت، فهو زئبقي، يتلون تبعا لتنوع التجارب الصوفية واختلافها، إلى درجة أن كل متصوف يمكن أن نجد له تعريفا للتصوف خاصا به يتفرد به دون غيره من الصوفية، ما جعل هذا المفهوم يستعصي على الضبط ويصعب الحسم في تعريف متفق عليه يكون جامعا مانعا، ولعل هذه الصعوبة راجعة إلى أن «الصوفية عرّفوا التصوّف بعبارات تتسم بالعمومية والغموض وأحياناً التناقض، لإثبات مرجعية سلطتهم العليا داخل الثقافة الإسلامية والمجتمع الإسلامي أيضاً»، مثل تعريف الطوسي للتصوّف بوصفه «اسماً مجملاً عاماً مُخبراً عن جميع العلوم والأعمال والخلاق»، أو مثل ما ورد في الرسالة القشيرية من تعريف للتصوف، بأنه «ذكر مع اجتماع، ووجْد مع استماع، وعمل مع اتباع»، وهو تعريف يجمع بين المتناقضات، ويرى بعضهم الآخر أن القصد من عمومية تعريف أهل التصوف لطريقتهم وغموضه هو رغبتهم في إخفاء أسرار الطريقة على المناوئين من الفقهاء وغيرهم، وهذا ما ألمح إليه الكلاباذي عندما أورد الاعتراض الكلامي على التصوف: «ما بالكم، أيها المتصوفة، اشتققتم ألفاظاً، أغربتم بها على السامعين، وخرجتم عن اللسان المعتاد؛ هل هذا إلا طلب للتمويه أو ستر لعوار المذهب». 
تلكم بعض أوجه التباس مفهوم التصوف، التي تجعل منه مفهوما مستعصيا على التحديد، وقد قدمت بعض المقترحات في كتابي لتجاوز الخلاف في تعريف التصوف، بالرجوع إلى خصوصياته ومحتواه، بغض النظر عن مصطلح التصوف، لأنه في الحقيقة هذا المصطلح خلق إشكالا كبيرا، ولم يكن الناس في حاجة له، لأنهم يعيشون حال التصوف، بدون أن يطلقوا عليه تسمية التصوف، فهو يدل على الأخلاق العالية وعلى السلوك الطيب والإخلاص في العبادة وإتقان العمل، وغير ذلك من الخصائص التي تمثل قيماً إنسانية نبيلة وسامية ترتقي بها الأمم والشعوب، ولكن عندما ظهرت المذاهب والطوائف والتيارات الدينية، تم استحداث مصطلح التصوف للإشارة إلى تلك الفئة من الناس التي تجتمع على ذكر الله وتعمل على تخلية النفس من الرذائل وتحليتها بالفضائل.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.