التخييل التاريخي في القرار الصهيوني لــ «تهويد القدس»

الثلاثاء, January 2, 2018
كاتب المقالة: 

نشأ الاستعمار الصهيوني لفلسطين ضمن عقيدة العدوان وعدم احترام الإنسان والشرائع والأديان والمواثيق الدولية والأعراف، وهو بذلك قائم على اغتصاب أرض الغير وطرد أهلها وتشريدهم في المنافي والشتات واحتلال الأرض ومصادرة الممتلكات، ليس هذا وحسب، بل إن هذا المستدمر قام لأجل تحقيق حلم «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» بارتكاب عدة مجازر، وما مجزرتي دير ياسين وصبرا وشاتيلا ببعيدتين، وبعد احتلال الأرض في 1948 و1967، قام الصهاينة بعدة مشاريع لإحكام الهيمنة، ليس على الإنسان وحسب، بل على وعيه التاريخي وفكره الوجودي أيضا بتجريده من التاريخ والفكر اللذان يؤسسان لمساره على وجه الحياة ومعالمه في مضمار الهوية، انطلاقا من «أساطير مؤسسة للسياسة الإسرائيلية» كما عنون رجاء غارودي لأحد كتبه، ولعل قضية تهويد القدس تدخل ضمن المسار الصهيوني الفكري والتاريخي لإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني داخل المنظومة التوراتية القديمة المزعومة، والتي لا يمكن أن نجد للتاريخ الفلسطيني أي اعتبار خارجها، حسب أكاذيب الصهاينة، وهنا ينطرح السؤال المهم، في رأيي، لماذا تهويد القدس؟

تخيلات الحق التاريخي:
إن ادعاء الحق التاريخي للصهاينة في فلسطين لا يعود إلى مؤتمرهم في بال في سويسرا عام 1897، ولا يعود إلى وعد بلفور عام 1917، بل يعود إلى أقدم من ذلك، «حيث هناك نصوص توراتية يزعم اليهود بناء عليها أن لهم الحق في تملك أرض فلسطين»، ولعل «أول مستعمرة يهودية بناها اليهود في فلسطين ـ في القرن التاسع عشر ـ هي مستعمرة بتاح تكفا أي باب الأمل، وقد أسست عام 1878، والمؤكد أن الزعم التاريخي ينبني على النص التوراتي المحرف، الذي يختلقون من نصوصه تاريخا قديما لإسرائيل، ويعيقون ظهور أي تاريخ لفلسطين العربية الإسلامية والمسيحية أيضا، «ويلاحظ إدوارد سعيد أن من الملامح المميزة لأي شعب صغير غير أوروبي الافتقار إلى الوثائق والتواريخ والسير ذاتية والتسلسل الزمني للوقائع»، وهو ما جعل فلسطين من هذه الناحية في وضع هش أمام الترسانة التخييلية للتاريخ القديم لها، الذي أصبح توراتيا يتحكم فيه «خطاب الدراسات التوراتية» بتعبير كيث وايتلام أو «الخطاب الاستشراقي» بتعبير إدوارد سعيد. 
إن التاريخ نهر كبير لا يمكن أن نلغي مصباته لصالح فروع صغيرة، وهو ما يعني بالضرورة أن التاريخ المروي وفق المنطق الصهيوني، تاريخ تحكمه المصالح والأهواء، والرغبة في تكريس شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، فـ»ما تصوره الدراسات التوراتية منذ بدايتها حتى اليوم هو تصوير فلسطين بدون سكان، أو على أكثر تقدير، كسكان مؤقتين، سريعي الزوال، ينتظرون قدوم ذلك الشعب الذي لا يملك الأرض»، وهذا التصور البسيط للفكرة الساذجة هو ما جعل «خطاب الدراسات التوراتية» قائما على التخييل والأسطورة المؤسسة للواقع، فتاريخ الصهيوني ينبني على حسابات الحاضر.
ولهذا فإن الزعم الصهيوني بوعي التاريخ المزيف يقع في هذه المنطقة الخيالية التي ركزت على أهم عناصر تكثيف ونشر الأكذوبة التاريخية وإحاطتها بصفات التأثير، فالشتات اليهودي والهولوكوست هما من أهم عناصر ترسيخ التخييل التاريخي الذي يعتمد الهوليوودية في ربط العنصر اليهودي بماض مزعوم يجعل له حقا تاريخيا في مكان بعينه وهو فلسطين، وانطلاقا من عنصر التخييل، فالصهيوني لا يتأثر بالمجزرة لأنها قائمة في وعيه على الأساس التخييلي، فهي بالنسبة له حدث سينمائي، وعلى كل هذه الأسس تقوم حركة المجتمع الصهيوني في «تهويد القدس» على الإلغاء والإحلال وتصفية التاريخ والجغرافيا.
تؤرق القدس كفضاء تاريخي الوعي الصهيوني لأنها تضم المسجد الأقصى وحائط البراق وكنيسة القيامة، ما يؤسس للتاريخ الفلسطيني خارج الدائرة التوراتية المحرفة التي يستغل الصهاينة مكوناتها، لتحقيق الإحلال القائم على التوظيف السلبي لـ»أسطورة» المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، كما يؤكد غارودي، فيدبرون تخييليا أسطورة الهيكل كبديل عن المسجد الأقصى وحائط المبكى كبديل لحائط البراق، لأن الفكر الصهيوني الاستعماري قائم على جدلية الإلغاء والإحلال، انطلاقا من تغيير مفهوم «أرض الميعاد» بمفهوم «الوطن القومي»، لخلق قومية لا يحوزها اليهود بفعل كونهم شعبا له ديانة واحدة، لكنه من إثنيات مختلفة لا تتوفر فيها عناصر القومية من تاريخ ومصير مشترك ولغة ودين.
القدس/صراع الصهاينة
من أجل إثبات الوهم:
تمثل القدس بالنسبة لمعتنقي الديانات الكبرى الثلاثة مرتكزا مقدسا، فهي عند المسلمين ترتبط بحادثتي الإسراء والمعراج، والمسجد الأقصى هو ثالث الحرمين، وترتبط عند المسيحيين بكنيسة القيامة، حيث قبر السيد المسيح ويوسف الراعي، وعند اليهود بهيكل سليمان (ع)، ولهذا فهي تمثل العروة المقدسة التي تهفو إليها القلوب، «وربما لم تعرف مدينة في التاريخ صراعا استهدف امتلاكها مثل القدس. والامتلاك هنا ليس ماديا فقط، بل روحيا أيضا» كما يرى صلاح حزين، ولعل هذا يتجلى من خلال المدينة ذاتها التي تتميز بتلك الروح الشرقية الطاغية، التي يغلب عليها عبق التاريخ، فتتحول جاذبة للإنسان لأنه يجد فيها شيئا من ماضيه الإنساني، فمدينة القدس تتمتع «بخصوصية كبيرة، لأنها تختص باستمرار فريد يتحدى التاريخ، فقد التقت داخلها حضارات العالم، ومر بها الأنبياء والأباطرة وجحافل الغزاة، كما كانت دائما أحد مراكز التصادم بين الإمبراطوريات القديمة والحديثة»، حسب محمد أحمد صالح. وبسبب وضعها الديني المميز داخل الديانات الثلاثة فهي موقع صراع، ولقد ساهمت الصهيونية العالمية في تأجيج هذا الصراع لأنها تحاول أن تلغي أي أثر للوجود العربي /الإسلامي والمسيحي، فالقدس هي بالنسبة للمسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي محمد (ص)، وهي فضاء دعوة المسيح عليه السلام، لكن كل هذا التاريخ الطويل الذي شهد تعايشا فريدا بين حاملي الديانات السماوية، تحاول الرغبة العدوانية الصهيونية أن تجعله هباء لصالح نبوءات توراتية مزعومة، لتثبيت الهيكل من خلالها كبنية للاستقرار القومي اليهودي، ولفعالية القرار المبني على إسرائيلية التاريخ القديم ونسف التاريخ الفلسطيني، أو كما يقول كيث ويتلام في كتابه المهم «اختلاق فلسطين القديمة/إسكات التاريخ الفلسطيني»: « تبدو الفرضيات التي جاءت بها الدراسات التوراتية الألمانية والأمريكية في ظاهرها كأنها مناقشات حول طبيعة نشوء إسرائيل وجذورها التاريخية، إلا أن هذا ليس نقاشا بين الادعاءات المتنافسة حول التاريخ الماضي كما نفهمه، ولكنه بالأحرى نقاش حول الهوية التي تمكن إسرائيل من المطالبة بهذا الماضي»، فالماضي الفلسطيني بالنسبة للصهاينة ماض إسرائيلي قديم لا معنى فيه لأي رمز اسمه فلسطين، وبالتالي يصمت التاريخ الفلسطيني، ويتأسس داخل الدوائر الأكاديمية والمعرفية قدرٌ تاريخي بديل، أملته الرغبة الصهيونية في محو ما هو معروف من التاريخ بالضرورة، وترتيب ما هو متخيل فيه بالإرادة العدائية للآخر. 
ونجد إدوارد سعيد يولي أهمية كبيرة للسرد التاريخي في ترتيب واقع بعينه يريده كل من يهتم بشأن ذلك الواقع، وينقل عنه كيث ويتلام قوله: «وكما أشار أحد النقاد فإن الأمم ذاتها هي سرد روائي. والقدرة على سرد الروايات، أو إعاقة سرد روايات أخرى بديلة ومنعها من التشكل والظهور، هي عامل مهم جدا بالنسبة للثقافة والإمبريالية، بل تشكل أحد أهم الارتباطات بينهما»، وبالتالي يكون تاريخ القدس أو إسرائيل القديمة هو ما تريده الإرادة الصهيونية الغاصبة، ليكون عنصرا فعالا في تحريك الذاكرة والرؤية العالمية نحو تأكيد الحق التاريخي لليهود في فلسطين، الذي يرتكز على الهيكل المزعوم، حيث «إن الهيكل أو بيت الرب اسم عاش أكثر من مسماه، حيث أن كثيرا من الروايات تقول بأن الهيكل كان عبارة عن خيمة تنقلت مع اليهود من مكان إلى آخر، بدون أن تعرف لها مكانا تستقر فيه، وربما كانت أكثر هذه الروايات موضوعية هي تلك التي ذكرت أن الهيكل بني في عهد سليمان عليه السلام من خشب الأرز» كما يرى حسن علي، والإشكال الذي يطرح هو هذا المرتب التاريخي الذي يراد له أن يستمر كواقع مادي، مع أن بنيته الأساس مستحيلة الاستمرار لطبيعة مكونها الهش وضآلتها بالنسبة للعمل الخالد والمستمر في التاريخ، ومن هذه الجزئيات يبدأ التاريخ المتخيل للواقع الإسرائيلي التاريخي، مُؤسسا ضمن البنية الصهيونية القائمة على تفكيك الحق وتركيب الخدعة، ولهذا ذكرت كل البعثات الأثرية أنها لم تعثر للهيكل على بقية، وكما يذكر حسن علي في مؤلفه «هذه إسرائيل» نقلا عن محمد أديب العامري، نقلا عن دائرة المعارف البريطانية من أنه: «ليس من المؤكد أن الهيكل كان في حرم المسجد الأقصى، خاصة أن (تيطس) عندما هدم مدينة القدس سنة 70 لم يترك شيئا قائما فيها.. فالبحث عنه إذن عبث في عبث حتى لو كان مكانه في الحرم، وقد أكثر الأثريون من القول بأنهم لا يجدون حين يبحثون وينقبون شيئا يذكر بالنسبة للآثار الإسرائيلية، وسبب ذلك هو أن الإسرائيليين الذين دخلوا فلسطين قديما كانوا بدوا بسطاء لا ثقافة لهم ولا حضارة.. ولم يطل حكمهم في البلاد لينشأ لهم تراث يذكر في الفن أو البناء أو الحضارة»، ومع ذلك فهم يدركون أهمية القدس والهيكل المزعوم بالنسبة لمزاعمهم في احتلال الأرض والتأسيس لدولة إسرائيل، فبن غوريون كان يردد دائما: «لا معنى لإسرائيل بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل».

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.