الحب من خلال القرآن الكريم لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

الأربعاء, February 15, 2017
كاتب المقالة: 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الحب من خلال القرآن الكريم :

أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع: "الحب".

الحب هذه الكلمة الساحرة، ذات الظلال الرقيقة والمحببة في النفس البشرية، يعكس الإسلام لها فهماً خاصاً، لأنه يعترف بعاطفة الحب على أنها واحدةٌ من أهم الدوافع الإنسانية، والمحركات الفعالة في السلوك الفردي والجماعي، لكن البطولة أن تعرف من تحب وكيف تحب.
شيء آخر الحب ثلث الإنسان، لأن الإنسان عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا لبيت حاجات العقل والقلب والجسم معاً تفوقت، أما إذا لبيت واحدة تطرفت، وفرقٌ كبير بين التطرف والتفوق.

بنية الإنسان النفسية مبرمجة من قِبل الله على محبة ما أمر به وكره ما نهى عنه :
أيها الأخوة، مرة أحد كبار الأساتذة في كلية التربية درست فيها ثلاثين عاماً، تقاعد أحد الأساتذة، أُقيم له حفل وداع كبير جداً، هو أستاذ علم النفس، فقال كلمة تأثرت لها كثيراً، قال: أي إنسانٍ لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحِب، كما أنه لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحَب ليس من بني البشر ، إذا كنت من بني البشر ينبغي أن تشعر بحاجة إلى أن تُحِب أو إلى أن تُحَب.

أيها الأخوة، النقطة الدقيقة جداً أن لك فطرة، جِبلّة، خصائص، هذه الفطرة مبرمجة على منهج الله، أي شيءٍ أمر الله به جُبلت على محبته، وأي شيءٍ نهاك الله عنه جُبلت على كراهيته، شيء رائع جداً أن بنيتك النفسية، خصائصك النفسية، فطرتك، جِبلتك، مبرمجة من قِبل الخالق العظيم على محبة ما أمرك به، وعلى كره ما نهاك عنه، والدليل:

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

[سورة الحجرات الآية : 7 ]

فأنت لمجرد أن تطيع الله اصطلحت مع نفسك، وشعرت براحة لا توصف، وكأن جبالاً أزيحت عن كاهله لمجرد أنك اصطلحت مع الله.

أنواع الحب :

أيها الأخوة، ولكن هناك حبٌ حسي وهناك حبٌ عقلي، فكلما ارتقى الإنسان أحبّ بعقله، وكلما هبط مستوى الإنسان أحبّ بحواسه، كلما ارتقيت تحب بعقلك، وكلما هبط مستوى الإنسان يحب بحواسه، الدليل القطعي أن الله عز وجل قال في القرآن الكريم يحدثنا عن سيدنا يوسف:

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾

[ سورة يوسف الآية : 33 ]

دُعيَّ إلى أن يلتقي مع امرأة العزيز لقاءً زوجياً، لو عرض هذا الشيء على مليار شاب الآن يراه غنيمة كبيرة، بينما سيدنا يوسف رأى في هذا الشيء بُعداً عن الله، فكرهه بعقله مع أن طبيعته الجسمية ترغب في ذلك،

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾

وما في إنسان الآن عظيم إلا أحب بعقله، الحد الأدنى الذي أخذ شهادة عليا أحب الدراسة بعقله، ترك اللقاءات، والسهرات الممتعة، واللقاء مع الأصدقاء، والنوم المديد، والطعام الطيب، والنزهات تركه كله، لأنه أحب أن يكون إنسان مرموق في المجتمع فدرس فالإنسان لن يكون عظيماً في الدنيا إلا إذا أحب بعقله، وأبغض بعقله، أما إذا أحب بحواسه دمر نفسه، وأبسط شيء الطعام والشراب، الذي أحب الطعام والشراب ولم يحكم عقله في الأمر يعني أصيب بأمراض وبيلة، يجب أن تحب بعقلك، وأن تكره بعقلك، وهذا علامة الرقي.

عدم ارتقاء الإنسان إلا إذا كره بعقله وأحبّ بعقله :

الآن ربما أحببت بحواسك فهلكت، وربما كرهت بحواسك فنجوت، قال تعالى:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة ]

أوضح مثل هذا اللقاء الطيب، تستيقظ قبل الفجر وتتوضأ، وتنتقل من بيتك إلى المسجد، والجلسة على الأرض، ولا يوجد ضيافة إطلاقاً، وتعود، ولكن تشعر بسعادة لا توصف، لأنك ذكرت الله في وقت القرب.

(( ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْواً))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]

فكلما ارتقيت تحب بعقلك وتكره بعقلك، وكلما هبط مستوى الإنسان أحبّ بحواسه، بقي نائماً، أكل ما شاء، نظر إلى من يشاء، من دون ضابط، من دون قيد، من دون قيمة، فأنت يمكن أن تمتحن نفسك، هل تحب بعقلك؟.
مرة كنا في جلسة قُدمت ضيافة طيبة جداً لكنها لا تريح الجسم، هناك طبيب قلب دُعي إلى أن يأكل فرفض، اعتذر طبعاً، فلما أصر صاحب البيت عليه أن يأكل، قال له: والله أحب هذا الطعام أكثر منكم جميعاً، لكنني لكثرة ما أرى الشرايين مسدودة ـ هو عمله طبيب جراح ـ أكره هذا الطعام.
أحياناً الإنسان يكره بعقله ويحب بعقله، لا يرتقي إلا إذا كره بعقله وأحبّ بعقله، موضوع الطعام والشراب، موضوع الدراسة، موضوع السير إلى الله عز وجل، مجاهدة النفس والهوى، كل هذا السلوك أساسه حب عقلي، لكن الحب الحسي يتناقض معه، النوم أريح من حضور الدرس، إذاً

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

من أحبّ غير الله عز وجل ظلم نفسه :

أيها الأخوة: الآية الأساسية في هذا اللقاء الطيب.

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾

[سورة البقرة الآية : 165 ]

أحب المال، أحب النساء، أحب الكِبر ـ أن يكون كبيراً عند الناس ـ أحب السيطرة، أحب أشياء كثيرة،

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾

أي يحبونهم حباً كما ينبغي أن يحب الله عز وجل، يبيع حياته من أجل هذه الشهوة، يموت من أجلها، التعليق الرائع:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 165 ]

الله عز وجل هو أصل الكمال و الجمال و النوال :

لكن النقطة الدقيقة:

﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾

[ سورة البقرة الآية : 165 ]

الذي أحبّ غير الله أحبّ الدنيا، أحبّ أموالها، أحبّ نساءها، أحبّ بيوتها، أحبّ قصورها، أحبّ مركباتها، أحبّ مناصبها .

﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾

يوم القيامة:

﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾

[ سورة البقرة الآية : 165 ]

هنا القوة بمعنى قوة الجمال، هو لماذا أحب المرأة ؟ لأنه أُخذ بجمالها، لو يعلم علم اليقين أن أصل الجمال هو الله، وأن أصل الكمال هو الله، وأن أصل النوال هو الله، لذلك يتألم أشد الألم حينما تبع فرعاً ضئيلاً ونسي الأصل .

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾

أي ظلموا أنفسهم حينما أحبوا غير الله .

﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾

يوم القيامة طبعاً حينما أحبوا غير الله، اعتدوا على الآخرين، الحب قادهم إلى العدوان

﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾

أن أصل الجمال، وأصل الكمال، وأصل النوال، هو الله . 

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.