الدين والأنثروبولوجيا

الاثنين, August 7, 2017
كاتب المقالة: 

منذ بدء ظهور الاهتمامات المبكرة للأنثروبولوجيا بثقافات المجتمعات ومحاولة فهم مدى الفروق والاختلاف بين ماضي المجتمعات وحاضرها أخذ السؤال حول كيف وكم تؤثر العقائد على تشكُّل الناس وفهمهم للطبيعة والعلاقات القائمة بينهم. ولعل النصوص الدينية ــ وبالذات في الكتاب المقدس بسبب إيرادها أوصافاً وتفاصيل عمّا كانت عليه حياة أسلاف الشعوب الحديثة في تصرفاتهم وأفعالهم الحياتية اليومية - ما دفع بعض المفكرين لطرح السؤال الآتي: هل مرّت البشرية بتحولات لتصبح على ما هي عليه اليوم؟ ونظراً إلى شيوع مفهوم التطورية تولد الفضول المبكر المفضي إلى إثارة أسئلة حول كيف كان يعتقد أو يفسر الإنسان في الماضي علاقاته بالطبيعة وسعيه للإجابة عن الأسئلة المصيرية الكبرى؟

ولمّا بدأ الإنسان في تحقيق شيء من القدرة على التحرك من موطنه إلى أماكن موغلة في البُعد، وكذلك للتعرف على شعوب مختلفة جداً وربما -من منظور تطوري- تنتمي إلى مراحل تاريخية قديمة جداً، طرأت فكرة أنه عند تأمل ودراسة هؤلاء الأقوام ربما كان بإمكاننا تتبع ما كان عليه أسلافنا في مراحل تاريخية قديمة. ولقد ساعدت تجارب الرحالة المستكشفين على تراكم بيانات ووصف جوانب من حياة وعادات وتقاليد هذه الشعوب، وعند مقارنتها مع بعض البقايا السلوكية التي جمعها باحثون محليون عن العادات والتقاليد التي لا تزال آثارها باقية في حيوات أفراد مجتمعاتهم وبالذات في الأرياف وبعض أفراد المجتمع ممّا يتعارض أحياناً مع مستوى التطور الذي حققه المجتمع الحديث، فجر ذلك فكرة أن دراسة المجتمعات المتوحشة التي لم تتطور -كما تطورت المجتمعات الأوروبية- يمكن من خلال ذلك فهم ما كان عليه أسلافهم، فهذه الشعوب والثقافات يمكن اعتبارها نسخة مجمدة لما كانت عليه حالة الأسلاف. وأصبح المطلوب هو دراسة وفهم الحالات الأكثر بساطة وبدائية، حتى تكون المادة الأولية لتتبع مسار تطور مفهوم البشرية بخصوص الدين انطلاقاً من أفكار كانت سائدة حول وحدة النفس البشرية من حيث الأصل.

وعلى الرغم من أن العديد من المفكرين وأوائل الباحثين الأنثروبولوجيين، سعوا لاكتشاف مجموعات إنسانية ليست لديها أية مفاهيم أو أفكار تنمّ عن غياب أي تصورات دينية إلا أن ذلك لم يتحقق؛ أي أن المجتمعات البسيطة الأولية التي تعرَّف عليها المفكرون الأوائل من أصحاب الفضول المعرفي الأنثروبولوجي، وجدوا أن مفهوم الإيمان بقوى فوق طبيعية ووجود تصورات ميثالوجية حول خلق الكون كانت موجودة بصورة أو بأخرى في كل المجتمعات البشرية، حتى أكثرها بساطة وبدائية، مثلما كانت عليه الحال في قارة أستراليا التي تعرَّف المستكشفون على سكانها الأصليين الذين كانوا يعيشون حياة بسيطة جداً، ربما كانت الأكثر بساطة وبدائية بين معظم السكان الأصليين الذين تمّ التعرف عليهم، ولذا اقتضى ذلك أن تزداد كمية التقارير والكتابات التي أعدّها المستكشفون والرحالة.

وهذه الأدبيات الفردية الانطباع، شكلت الرصيد الوصفي الأول كمادة وبيانات "علمية" للعديد من الدارسين، لما يمكن أن يسمى بأنثروبولوجيا الكراسي الوثيرة لعلماء "تخصَّصوا" في تتبع ودراسة الظواهر الفلكلورية أولاً في حياة مجتمعاتهم، ولاحقاً في محاولةٍ لدراسة ما كان آخذاً في التراكم والتوسع مع ملاحظات وتقارير الرحالة والمستشكفين في محاولة -عند القيام بالمقارنات فيما تراكم من كتابات- للخروج بتصورات نظرية عامة.

من هذه الملاحظات العامة، أخذت تتبلور تفسيرات وشروح واصفة لما كان عليه سلوك هؤلاء السكان الأصليين، وسعي حثيث لتفسير وتأويل الكيفية التي فكر بها هؤلاء لتبرير تصرفاتهم الحياتية واليومية، ولماذا نجد أحياناً بعض بقايا أمثال هذه التصرفات في حياتنا ومفاهيمنا، رغم التطور الذي مرّت به مجتمعاتنا؛ أي أننا نجد بعض البقايا الدفينة في تصوراتنا وسلوكنا الشعبي، وبالذات الريفي ممّا قد يصدق عليه إطلاق بعض هذه المفردات التي تمّ اشتقاقها - كما سنوضح عاجلاً - في بقايا لاوعينا الثقافي والفكري.

في هذا الخصوص مدّتنا هذه الثقافات والمجتمعات بترسانة من المصطلحات/ المفاهيم دخلت في سياق تفكيرنا، وأصبحت جزءاً من خزان المفاهيم المفتاحية في دراسة أثر الدين والأفكار في حياتنا، وبطبيعة الحال حياة تلك المجتمعات. وكانت هذه المفردات ربما أنها أخذت بلفظها -أحياناً بشكل متدرِّج- من لغات تلك الشعوب.

وتشمل بعض أهم هذه المفردات مفردات تفسيرية من مثل "الفتشة" أو ما يوازي عندنا الحجاب، وهي نوع من مادة دينية محسوسة تُستخدم، لدرء الأضرار أو الشرور التي قد تهجم على الإنسان، واستخدام الفتشة قد يحمي الإنسان من هذه الأضرار والشرور. ويؤمن الإنسان الأولي بمفهوم "المائة"، وهو ما يمكن أن يقابل مفهوم "البركة" الغامض الذي يبشِّر بحدوث أفعال جالبة للخير بسبب أفعال أو تصرفات أشخاص أو أشياء تحمل نوعاً من القداسة أو ميزات خاصة في جوهر ذاتها. وهناك شخص له مواهب روحية خارقة لما هو طبيعي يسمى "الشامان"، أو ما يقابل في ثقافتنا الولي الصالح الذي يملك مواهب غير طبيعية، من شأنها أن تساعد من حوله برفع الضرر أو خلق الظروف التي من شأنها جلب المصالح والخير لهم. والشامان لديه قدرات في إدارة الطقوس الجماعية التي تُعقد في مواعيد وأماكن معينة، والتي تساعد على تآلف وإراحة المجتمع المحلي الذي يعيش بين ظهرانيه، والشامان يملك من الخبرات ما يمكِّنه من إدارة حفلات راقصة تُصاحبها الموسيقى، أو خلق أجواء من شأنها إحداث نشوة روحية قد تؤدي بالبعض إلى نشوة نفسية تدفع بعض المشاركين، لدخول حالة نشوة نفسية تفصلهم مؤقتاً عن الواقع المعيش، لتسبِّب لهم نوعاً من الراحة النفسية من أعباء متطلبات الحياة اليومية الشاقة، وإدخال نوع من السرور والاسترخاء، في مثل ما يُعرف بالحضرة أو الزار أو الدخلة عند بعض أنواع الصوفية الشعبية، كالعيساوية أو الرفاعية ونحو ذلك. ويعيش المجتمع البدائي البسيط -حتى يتوحد في طقوسه واحتفالاته- تحت تأثير مفهومين آخرين أخذا معاني مختلفة، لكن في الأساس كان مفهوم تابو يعني المحذور الذي عند الإساءة إليه أو الامتناع عن عمله أو أكله، يمكن أن يؤدي إلى أضرار تلحق بمن فَعَل ذلك، ممّا ساعد على ترسيخ وجود ضوابط اجتماعية تحمي وحدة ذلك المجتمع وتساعده على تجانسه ووحدته، وهنا يبرز المفهوم الآخر المسمى الطوطم أو المشترك الموحّد قرابة وحياة بين أفراد المجتمع (في إحدى معانيه). ولعبت الأساطير المؤسسة وبالذات أساطير الخلق وتشكُّل الكون والعالم في حياة الإنسانية دوراً كبيراً.

المصدر: 
من كتاب الأنثروبولوجيا في الوطن العربي
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.