الرواية في شكل مخطوط

الاثنين, July 9, 2018
كاتب المقالة: 

كما هو معروف، فإن محاولة استلاف العوالم وتطويرها لكتابة نص روائي، تحتمل الاستفادة من كل شيء، وأول تلك المعطيات التي يمكن استخدامها، وتستخدم بالفعل بصورة كبيرة وموسعة، هي مفردات الحياة اليومية، وذكرت مرات عدة، أن أول ما يلفت نظر الكاتب وهو يسعى للانخراط في مشروع روائي، هو الأشياء في داخل بيته، في داخل ذاكرته، في حارته والشارع الذي يقطن فيه، وإن كان ثمة انزياح بعد ذلك لمحيط أكبر، فلن يكون أبعد من التجربة البسيطة التي ما زال يسكن داخلها الكاتب الجديد.
لكن وبرغم ذلك، نجد هناك حيلا تلهم الحكاية، يطرقها الكتاب القدامى والمحدثون على حد سواء. حيل تبدأ طازجة مع التجارب الأولى التي استوحت منها، ثم ما يلبث بعضها أن يشيخ،، ويصبح نسج نص من وحيه بلا طعم، وقد لا يجلب قراء كثيرين وإن جلب لن تكون المتعة كما يجب.
من بين تلك الحيل، مسألة المخطوط الذي عثر عليه راوي الحكاية، في مكان ما، لنقل داخل خزانة حديدية قديمة، تركها جده أو جدته، أو استلمه من متشرد صادفه في الطريق، مثلا، أو من تاجر أدوات منزلية قديمة، كان يطوف بالحارات عارضا بضاعته، أو وجده مصادفة وهو يعبث برف مهجور في مكتبة عامة، وحتى وهو ينكش الأوساخ في سلة للمهملات بلا أي إيضاح لماذا كان نكشها؟.
بداية روايات المخطوط كلها هكذا، تبدأ بهذه الومضة، وتنطلق منها مغامرة بعد ذلك قد تطول وقد تقصر، بحسب ما تمنحه للكاتب من إيحاء، وحسب تمكن الكاتب أيضا وعراقته وصلته بالكتابة، فهناك كتاب يبدأون نصهم بالعثور على المخطوط بطريقة من هذه الطرق الكلاسيكية التي ذكرتها ثم يطوفون بالقارئ في الدنيا كلها، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، في رحلة قد تستغرق خمسمئة أو ستمئة صفحة، وكتاب يبدأون ولا يتحركون بالمخطوط أبعد من المكان الذي وجدوه فيه إلا بخطوات قليلة، ورحلة تستغرق مئة صفحة أو أقل. هكذا.
قلت تكون ثمة طزاجة في بداية الكتابة بهذه الحيلة، ثم ما تلبث الأمور أن تفقد متعة حكيها، ولأن هذه الحيلة قديمة بالفعل، فأرى أن الأوان قد حان للتخلي عنها وسط حيل جديدة أنبتها الزمن الحاضر وتكفلت التكنولوجيا المتقدمة بتعميمها. وأذكر أنني قرأت رواية مخطوط عثر عليه، للتركي أورهان باموق، كتبها في بداياته، قبل أن يكتب ثلج الضخمة، ويحصل على نوبل الأدب. وكانت مبهرة كونها من الكتابات الأولى في هذا الشأن، وهناك رواية صغيرة وجميلة لصديق البدايات الراحل خيري عبد الجواد، كتبها في ثمانينيات القرن الماضي، وأزعم أنها من الأعمال العربية الأولى التي تحدثت عن المخطوط، إنها رواية العاشق والمعشوق التي كانت من ثمار تلك الفترة الناضجة، كما أذكر، وقصتها عن مطاردة المخطوط الذي يذهب بقارئه إلى متاهات، كلما خرج منها دخل في أخرى، لكن خيري لم يعمر طويلا ليكتب دررا كان وعدنا بها، فقد رحل وفي قلمه ما لم يكن كتب بعد.
أيضا من روايات المخطوط التي كانت مبكرة، رواية مترجمة نسيت اسمها ومؤلفها لكن كما أذكر كانت تدور في بحار ما، ويبين المخطوط كنزا في القاع يحتاج لمغامرة من أجل استخراجه. وقد تأثرت مبكرا بمسألة المخطوطات هذه، وحاولت أن أضع نصا موازيا لما قرأته، وفيه رحلة للكشف عما جاء داخل مخطوط عثر عليه الراوي تحت وسادته هكذا، ولا يعرف من وضعه، وكانت فكرة سيئة، أو ساذجة كما أعتقد، لذلك لم أكتبها في ذلك الزمان، ولم تعد صالحة الآن ولا في أي وقت كما ذكرت.
لقد طرأ على بالي سؤال مباغت الآن:
لماذ تقبع الحكاية داخل مخطوط قديم مدفون أو مخبأ في خزانة؟
لماذا لا يخترع الروائي زمن الحكاية التي يريد كتابتها حتى لو كان قبل الميلاد، ويبدأ مطاردة حكايته من تاريخ ولادتها بدلا من تركها تتخمر أو تتحلل لهذا الزمن؟
بعضهم يظن أن في الأمر تشويقا سيحدث من جراء خروج الحكاية المخمرة من القدر الذي خمرت فيه، وبعضهم يظن الأمر فتحا كتابيا كبيرا، وفي كلا الحالتين تبدو الأشياء أقل كثيرا من وهم تمددها في الأذهان، التشويق القديم لن يكون موجودا بتكرار الحكاية نفسها، والفتح لن يكون فتحا إذا كان هناك من سبقك إلى الباب وفتحه ثم تركه مواربا ليدخل منه من يريد.
أتحدث قليلا عن استخدام التاريخ، أي إيجاد زمن الحكاية القديم ومطاردته وأظنها حيلة جيدة لن تموت أو تصبح خالية من النكهة ذات يوم، لأن الحكاية تتصاعد من لحظة ولادتها حنى نهايتها من دون أن تمر على فترة ركود في مخطوط. والتاريخ الحقيقي أو المتخيل، كلاهما يملكان سعة صدر غريبة، وملابس يمكن بشيء من الحنكة أن تصبح زاهية يرتديها الناس بلا ملل. ومهما تعددت الروايات التي تأخذ من التاريخ، سنلمح اختلاف النكهة، واختلاف التشويق فيها. وكما قلت كل كاتب يستطيع تزويقها بطريقته وتبهيرها ببهاراته الخاصة، وتلك التي تحدثت عن أشخاص بعينهم مثل قادة وملوك وعشاق راحلين، تستطيع أن تأتي بالجوانب الإنسانية المهملة، بكل جدية والتي كانت تاريخا متخيلا، تكون أشد جرأة وأكثر قابلية لزركشة الخيال.
بعد ما ذكرته أظنني سأخاصم روايات المخطوط، التي ما زال البعض يتشوق لكتابتها، أعتقد أن تطور الرواية، وتعدد مصادرها في الوقت الحالي، يفرض كتابة مواكبة.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.