حمى الاستهلاك ... رؤية نقدية في حوار مع الآخر

الأحد, September 10, 2017

كعادتي قبل قراءة اي كتاب، أقرأ ما كتب على غلافه الخلفي ثم أبدأ تقليب الصفحات بنظرة سريعة مختارة بعض العناوين لا تفحص محتواها، لا أنكر أن في هذا ظلم للكتاب والكاتب فكثير من الاحيان ادع الكتاب إذا ما وقع نظري على ما لا يستهويني من اساليب تشبيه مبالغ فيه او تنطع وتشدق في طريقة ايصال المعلومة.

لا اخفي انه في بداية تصفحي للكتاب وقع نظري على العديد من الفقرات التي شعرت انها تحوي افكار فلسفية عن الحياة (سأتحدث عنها لاحقا) كما اني بدأت قراءته بعين الناقد ففي نظري (المكتوب مبين من عنوانه) وكثرة الاستهلاك ثقافة تربينا انها ثقافة خاطئة وابي كان قد علمنا الاقتصاد في المعيشة ومعرفة الضروريات والكماليات وعلمنا اعادة احياء الادوات لاستعمالها كرات ومرات ولطالما وضعنا في موضع المسؤولية في النفقات لنتعلم ادارة اقتصاد منزلنا المتواضع وحياتنا البسيطة.

لكن ... وبطلب من والدي وعرض للكتاب على انه ضروري بدأت قراءته بشكل جدي!

حين قمت بقراءة كلمة الناشر بدأت نظرتي للكتاب تتغير وخاصة حين تحدث عن سفينة الارض والمنعطف الذي تمر به من تحول من عصر الصناعة الى عصر المعرفة على يد عباد الرحمن ... احببت ان يكون لي دور في توجيه سفينة الحياة او على الاقل سفينة الاجيال الشابة في بلدنا ، فما الاستهلاك الا وباء منتشر وطب النفوس لا يقل اهمية عن طب الابدان ، بل وقد تجلى واضحا فيما بعد الارتباط الوثيق لذلك الوباء مع كثير من الامراض الجسدية فعلا، ولا بد لعلاج المرض من فهم الياته واعراضه عله يكون لنا دور فاعل في ايجاد الحل ، وخاصة ان الكاتبة جعلت الجزء الاكبر من المسؤولية على ( المرأة وجيل الشباب )الذين هم اكثر انبهارا بالثقافة المادية واكثر استعدادا في المقابل على تبني الاصلاح والتغيير ، فما لبثت ان تحولت من ناقد يقرأ ... الى مؤيد يتغاضى عن الهفوات لا بل ويدافع عن الافكار والاسلوب وطريقة العرض الجديدة لينتهي به الامر وقد تبنى بعض الافكار للحديث بها في المحافل العامة .

وبعد ان قرأت تقديم الاستاذ احمد خيري العمري فهمت اسلوب الكتاب وانه مزيج من ترجمة وتأليف وعلمت ان ما وقع عليه نظري في البداية ما هو الا ترجمة للكتاب الاصلي بدقة وامانة.

بدأ الكتاب بالحديث عن الاستهلاك كمرض منتشر في المجتمع له اعراض واسباب وسبل علاج ووقاية

اما عن الاعراض:

١-حمى التسوق: وهوس الذهاب الى المولات حتى ولو لم يكن في بالنا شيء نشتريه 

٢-طفح الافلاس : بسبب ( الكريدت كارد ) اشتر الان وادفع لاحقا، البيع بالدين والتقسيط على سنوات ادى الى بقاء الفرد مدينا غالب اوقاته مما دفعه الى زيادة ساعات العمل لزيادة اجره

٣-انتفاخ الاطماع : تنوع اصناف البضائع الى درجة يحتار فيها المشتري دوما فيما يأخذ وفيما اذا كان ما اخذه هو الافضل فعلا

٤-احتقان مزمن : الاحتفاظ بالأشياء القديمة واضافة اشياء جديدة لها ادى الى احتقان المنازل بالأشياء

٥-ضغط الافراط : لمواكبة سرعة الانتاج لابد من سرعة العمل فغدا الانسان يعمل كالألة ليزيد الانتاج ويزيد الاجر فوقع في ضغط الافراط .

احببت ان اعلق في هذه الفقرة على اختيار الكاتبة للآية (فأين تذهبون) فعلا لأول مرة استشعر معنى هذه الآية فالإنسان يضيع في غمرة الحياة والعمل والمشاغل وسرعة الانتاج وسرعة كل شيء في هذا العصر عموما لكن (اين تذهبون؟) فعلا لها وقع خاص وهنا نفهم أكثر واكثر معنى (ارحنا بها يا بلال) وقفة بسيطة مع الخالق بين فترة واخرى في اليوم الواحد كفيلة بإعادة التوازن للإنسان 

٦-تشنجات اسرية: 

  • توتر العلاقات بين افراد الاسرة من اجل المادة 
  • التشرد الجديد حيث الافراد في منزل واحد لكن كل معزول عن الاخر بالأجهزة الذكية 
  • تسوق الشريك وبناء العلاقات الانسانية (التي يفترض ان تقام على المودة والرحمة) على مبدأ الاستفادة الكبرى والمصلحة واختيار الشريك بطلب ميزات اكثر واكثر وتجربته ثم رميه بعد استهلاكه والرغبة في تجريب اخر ، حتى بعد الاختيار يبقى البال مشغولا هل تم اختيار الافضل ام ان هناك ما هو افضل !

٧-اتساع الحدقات لدى الاطفال: حيث ان ارباب الاقتصاد بدؤوا بالتوجه لخطاب الاطفال باعتبارهم قوة فاعلة مؤثرة على اهلهم وان التأثير فيهم أكثر سهولة وأجدى نفعا اقتصاديا حتى ولو كان هذا الخطاب يمس الافكار والمبادئ الاخلاقية ويؤدي الى تمردهم على ذويهم 

٨-قشعريرة جماعية: ناتجة عن برود العلاقات بين الناس سواء في الاسرة الواحدة او في الحي او في المدينة 

٩-حرقة من اجل المعنى: وشوق لنقاء العمل بعيدا عن المادة والمصالح 

١٠-ندبات اجتماعية: انتشار الفوارق الطبقية الكبيرة بين طبقة ارباب الاقتصاد وطبقة العمال وهذه الفوارق ادت الى انتشار الجرائم والاحقاد بين الطبقتين 

آلمني في هذه الفقرة قصة الامريكي الذي يعرف واقع العرب البعيد كل البعد عن تعاليم الاسلام وقد دعت الكاتبة الى التمثل بالقيم اولا قبل الدعوة اليها 

١١-استنزاف الموارد الطبيعية والذي يؤدي الى نضوب بعضها كما يؤدي الى كوارث في الطبيعة وذلك ان القانون الالهي في الطبيعة لا يحمي المغفلين 

احببت هنا فكرة ربط الاشهر الحرم الاربعة التي تشكل ٣٠ ٪‏ من السنة كفيلة بتجديد الارض لنفسها والناس لنفوسهم واعجبني ربط معنى ان في الحج مؤتمر السلام وحرمة مكة والمدينة دعوة لذلك التجديد ايضا

١٢-اسهال صناعي وانتشار السموم والامراض في الارض (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس) 

١٣-الفيروس الادماني: الذي يدفع الانسان لبذل اي شيء مقابل الحصول على التسوق ولو كان ذلك الذي يبذله هو ( ارضه وعاداته ) 

احببت هنا فكرة ان شهر رمضان هو مصح الحمية وتعويد للنفس على الانضباط والتزام الحدود حتى في الحلال وانه دعوة للتخفف من متع النفس واهوائها لا كما يفهمه الناس الان انه تخمة في الطعام والمسلسلات وترسيخ اعمق لثقافة الاستهلاك 

١٤-الاستياء مكفول: رغم كل ذلك الانتاج يبقى الحزن والكآبة هما المسيطران على مشاعر الناس عامة

 

فعلا بنظرة سريعة الى هذه الاعراض نرى كيف غدت الاسرة مفككة فاقدة روابطها فالأب مخرن نقود والام سائق تاكسي والجيل الشبابي قد نشئ في الحلية وفقد المضامين وغدا يطالب بحقوقه ناسيا واجباته ولم يعد هناك بذل للفائض بسبب العجز عن تحديد معيار الحاجة

ان سبب كل ذلك هو طبع في الانسان كان نفسه سبب الخطيئة الاولى لسيد البشر ادم: طلب المزيد وطمع في الخلد وملك لا يبلى ، لكن ذلك الطبع يمكن اطلاقه ويمكن ضبطه وما تعاليم الشريعة الا ضابط يوجه الانسان لما يدع وما يأخذ

اما عن سبل العلاج:

١-راحة في السرير مع نظرة للواقع وتأمل وبحث فيما يكلف العمل الانسان وما يعطيه من فوائد حتى لا يساق ويصبح مجرد الة تعمل

٢-قرص اسبرين وحساء الدجاج: صناعة الرجال المخلصين لمبادئهم وتنشيط الجمعيات المرسخة للمفاهيم المعنوية بعيدا عن كونها ربحية 

٣-هواء عليل وارتباط بالطبيعة أكثر وعودة الى احضانها بين فترة واخرى

٤-الدواء الامثل: تغيير القناعات والافكار وتحول من الكم الى النوع والوعي بالأضرار لذلك الانتاج الفائض

٥-العودة للعمل: وتطبيق عملي كل في محيط تأثيره، جميلة هنا الافكار العملية التطبيقية التي اوردتها الكاتبة 

 

لقد كان في هذا الكتاب حوار ومنطق ونظر في الافاق للاعتبار منها في كتاب الله المنظور (الكون وسننه) وكانت مهمة الكاتبة ربط الكتاب المنظور بالكتاب المقروء (القرآن) بأسلوب لطيف جذاب خال من المبالغات يحمل حرارة الصدق التي تصل مباشرة الى القلب

 

صراحة كنت اقفز احيانا فوق فقرات الضيف ( واعود اليها لاحقا ) شوقا للوصول الى ربط الكاتبة بالاحاديث وتعاليم الشريعة وما ذلك الا بسبب اسهاب الضيف في العديد من الاماكن واستفاضته في شرح الفكرة الواحدة واحيانا تكرار نفس المعنى في اكثر من موضع ، قد يكون في ذلك تقوية للمعنى او حجة مضافة لكني شخصيا كنت اشعر انه يمكن اختصاره وخاصة في القسم الدي يتحدث عن الاسباب ، فقد استفاض الكاتب في التاريخ والفلسفة وبنظري فان الناس المصابة بهذا الداء والتي وجه اليها الكتاب لن نجد فيها الكثير من المهتمين بإنجيل يوحنا المتأثر بالفلسفة اليونانية او دعوة ماركس او اصحاب الفلسفة المتعالية بل حتى اعتقد ان تلك الاستفاضة تبعدنا قليلا عن مضمون تطور اطماع الانسان منذ بدء الخليقة حتى الان 

بالمقابل فان كثيرا من الربط الذي اوردته الكاتبة كان مختصرا لدرجة ذكر عنوان الحادثة بدلا من سردها المختصر وما كل الناس على مستوى من الاطلاع على السيرة او قصص الصحابة ليفهم المراد. طبعا اعلم انها امور اساسية لكن حسب احتكاكي بشريحة لا بأس بها من هذا الجيل فهو للأسف على مستوى ضحل جدا من الثقافة الدينية يتجاوز كونه لا يعرف الاساسيات 

شخصيا ارى التعمق في هذه القصص وربطها الجيد الوافي بمثال او اثنين من كلام الضيف كاف لفتح القلوب للدين من جديد واعطائه الفرصة مرة اخرى في قلوب جيل بات يرى الدين عبئا او تقييدا ويعامله كضيف يستضاف قليلا ثم يخرج ولا يدخل تفاصيل حياته فتنفصل بذلك عقيدته عن سلوكه

اخيرا اقترح اعادة ترجمة الكتاب الى اللغة الاجنبية ليكون مادة علمية يتحدث بها المسلمون والدعاة في الغرب وخاصة الذين قرؤوا الكتاب الاصلي واقتنعوا به وتمثلوا افكاره ففي ذلك تعزيز لحب الدين في قلوب المدعوين وتعميق للقناعة به

 

بعد قراءة الكتاب دار حوار بيني وبين نفسي:

  • هل حمى الاستهلاك هو حب الظهور بأبهى حلة أمام الناس 
  • لا لأنه يتعدى الاهتمام بنظرة الاخرين الى عقد النقص امام الذات والى الانا المستحكم ارضاء للنفس فقط
  • اذاً هو حب التملك للمادة سواء امام الاخرين او ارضاء للنفس
  • لا لان ثقافة الاستهلاك تجاوزت الامور المادية لتتعداها الى امور معنوية كاختيار الشريك والعلاقات البشرية القائمة على المصالح 
  • ترى هل يدخل بين تعداد المصابين بهذا الداء اناس يفهمون الدين انه كم هائل من الركعات والختمات وحضور مكثف للجلسات بعيدا عن الاخلاق والتعامل والمعنى الاساسي له
  • اظن ان الاجابة نعم واظن انه يمكن تعريفه على انه الاهتمام بالوسيلة والتوقف عندها والاستفاضة بها لحد الهوس بغض النظر عن الوصول الى الغاية وبذلك تُفقد المضامين.
المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.