دوران القرآن حول السنة: عصر الظلام الذي نعيشه

الجمعة, March 1, 2013
كاتب المقالة: 

الواقع الذي تعيشه أمة ما - ازدهاراً أو انحداراً – لابد أن يكون ناتج من أفكار أدت إليه: الأفكار التي تسكن العقول بدايةً فتغير سلوك البشر.. واقعنا المزري والمظلم هو أيضاً تعكسه أفكار أدت إليه: فمحال أن يكون واقعنا البائس هذا ناتج عن سوء وخطأ في التطبيق؛ هذا يحدث لعدد محدد من الأفراد كنسبة خطأ صغيرة يقبل تواجدها، لكن ليس إطلاقاً كحالة عامة.. من المستحيل أن يحيى الإنسان عبر الأفكار الصحيحة ويصنف بالوقت نفسه وبالأدلة الأجهل بين الآخرين، هذه الاستحالة تتضاعف كثيراً عندما يجتمع البشر كأمة

أن يعيش معظم البشر في مجتمع ما وفق أفكار مستنيرة وسليمة وتكون حياة المجتمع هي الأجهل بين الأمم؛ من المستحيل أن تحمل أمة ما أفكاراً مستقيمة ويكون واقعها أعوج لقرون عديدة، من المستحيل أن تتعاقب أجيال عديدة على مدى قرون طويلة وهي تحمل الأفكار الصحيحة ويزداد واقعها المعاش انحداراً وسوءاً وجهلاً وبؤساً.. من المستحيل أن تكون الأفكار هذه صحيحة، حتى ولو تغطت بالقداسة..

ولابد للمخطئ من أن يلام: أمتنا هي أمة إسلامية، الإسلام فيها هو النبع الفكري الأول والأهم لكل أفرادها، لذلك لابد أن يلام الإسلام على هذا الواقع: أن تلام الأفكار التي نحملها عن الإسلام "طريقة تفكيرنا وتحليلنا وتفسيرنا لآياته": فالإسلام (القرآن والسنة) مازال هو نفسه الذي استطاع أن يحقق تلك القفزة الجبارة على الصعيد البشرية في الجيل الأول، والقرآن الذي يمثل جوهر الإسلام هو كتاب الله عز وجل الذي أحسن كل شيء خلقه، ولم يصيبه أي تحريف، لذلك الذي يلام هو طريقة فهمنا لهذا الكتاب..

نسينا أنّ الأفكار أيضاً تصاب بالتشويه بقصد أو بدون قصد، وتنقل عبر تشوهها حياة الأمة من القمة إلى واقعنا الحالي الذي نعيشه، ليس وحده "الخطأ في التطبيق"..

كيف حدث وتشوه فهمنا للقرآن؟ أو كيف أساساُ نحن نفهم القرآن؟

نفهم القرآن ببساطة من خلال كتب التفاسير، هذه التفاسير تُستنبط من فهم سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ومن ثم صحابته والتابعين.. أي أننا نفهم القرآن من خلال السنة، بعبارة أخرى: نرى القرآن بعيون السنة، ونعتقد أننا لا نستطيع فهم القرآن إلا إذا فهمنا السنة أولاً كي لا يشذ أحد منا بفهمه، ولأن الرسول هو خير من فهم القرآن فيكون الاقتداء به مباشرة (بدون فهم القرآن بدايةً) يعني وبشكل أتوماتيكي التطبيق الأمثل للقرآن..
أي، "فهم السنة أولاً" يمثل ضرب عصفورين بحجر واحد: فمنه الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام وتطبيق سنته، ومنه نكون قد طبقنا القرآن بدون دراسته، فكما يقال: القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن!.. فبدأت تتشكل رؤيتنا للقرآن عبر فهمنا لحديث ما: فهمنا القرآن من خلال ما فهمناه من السنة.. وكان هذا الطريق الذي سلكناه هو الخطأ القاتل كما سنرى بعد قليل الذي أودى بنا بالتدريج (عبر احلال فهمنا لحديث مكان الفهم الشمولي في القرآن) إلى هذا الظلام الذي نعيشه، فالطريق الحقيقي الصحيح الذي قاد إلى تلك النهضة كان عكس ما نقوم به الآن: فهموا القرآن ومعانيه الشمولية أولاً ومن ثم فهموا واتبعوا السنة..

فالسنة هي التطبيق العملي للقرآن.. وكأي تجربة علمية في العالم، مهما حاولنا وكانت نياتنا طيبة لن نستطيع فهم التجربة إن لم نفهم أولاً الدرس النظري الممهد لها؛ وإن حاولنا دخول التجربة بدون تحضير مسبق لقوانينها النظرية فإننا سنصل إلى نظريات خاطئة وفهم أعوج، تماماً كما وصولنا إلى هذا الواقع..

هذا لا يعني إطلاقاً إلغاء أو إهمال لدور السنة، فحياته عليه الصلاة والسلام لها دور جوهري رائع لكل الأجيال التي ستأتي من بعده كما سنرى بعد قليل، لكن هذا يعني إعطاء القرآن دوره ووظيفته الذي سلبناه منه، أن نعطيه حقه ليقوم بعمله، أن نسمح لأدواته أن تقوم بتأسيس وتعبيد طرقات فهمنا، أن نعيد الأمور إلى نصابها كما كانت مع الجيل الأول: أن ندور جميعاً في فلك القرآن فتشرق الدنيا بنوره من جديد كما كانت..

 

هل ستتغير الأمور حقاً إن نظرنا للسنة بعيون القرآن بدلاً من أن ننظر للقرآن بعيون السنة؟ هل سيشكل هذا التحول في الرؤية الفرق الكبير الذي يستطيع نقلنا من الوضع البائس لنصبح كذلك الجيل الشاهق؟

نعم، بكل ما تحمل الكلمة من معنى.. وإليكم ثلاثة أمثلة:

 

فمثلاً، موضوع القضاء والقدر الذي يشغل مساحة كبيرة من التفكير اليومي للإنسان المسلم، فيؤثر على سلوكه وأفعاله.. كيف تبلورت فكرة القضاء والقدر في أذهاننا؟
فهمناه عن طريق اتباعنا للطريق الخاطئ، فهم القرآن من خلال السنة: (( كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما قال يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت
 الأقلام وجفت الصحف )) الرواي: عبد الله بن عباس، المدث: الترمزي، الرقم: 2516، خلاصة الحكم: صحيح
الحديث صحيح، وهو واضح جداً: احفظ الله تعالى ولا تعصيه، واستعن به وتوكل عليه، واعلم أن لا شيء في هذا الكون يستطيع أن ينفعك إلا بما قسمه الله وكتبه لك في اللوح المحفوظ، ولا شيء من الممكن أن يضرك كذلك حتى ولو اجتمعت الإنس والجن.. وهذا يعني أنه حتى ولو المجتمع الذي تعيش فيه مزري ولا يطاق سيء وظالم، فلا تقلق، لأنه لا أحد يستطيع مضايقتك لو لم يرد الله ذلك، ومادمت متضايق فهذا يعني أنها مشيئته!، يبتليك ليرفع درجاتك، لذلك اصبر وابدأ باصلاح نفسك عسى الله تعالى أن يزيل الهم والكرب والابتلاء.. ولا جدوى من التأفف على هذا الواقع، فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف! بدلاً ابتسم واصبر لتكتب لك بها أجراً..

هذا هو الفهم الشائع المستخلص من الحديث.. ولا حاجة هنا لأذكر اسم التفسير، يكفي أن تنظر لأي تفسير بحوذتك..

فحكمنا على جميع آيات القرآن وفق هذه النظرة.. وكل آية قرآنية كانت تخالف هذه النظرة، كنا نقزمها ونقوقعها لتناسب هذا الحديث أو غيره.. وهذا ما تعاملنا به بالضبط مع الآية الأكثر شعبية بأذهاننا في مفهوم الجبر والقضاء والقدر: (( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون )) التوبة، آية51، صفحة195
لأننا عندما نجمع السياق القرآني لجميع الآيات التي تتكلم عن أفعال الإنسان، واللوح المحفوظ، وما أعلنه الله في قرآنه أنه كتبه، سنجد أنه يوصلنا لشيء مختلف تماماً (راجع مقالتي: "صحف فارغة وقلم.. وفعل مضارع"، تقدم دراسة كاملة في هذا الموضوع)، لكننا أنكرناه لأننا ننظر إلى القرآن من خلال فهمنا لحديث: نتمسك بفهمنا لحديث ونعدل ونغير فهمنا في القرآن ليناسب الحديث.. متذرعين أنّ السنة أيسر وأوضح من القرآن والاقتداء بها أولاً كونها صادرة من النبي عليه الصلاة والسلام يعني بشكل بديهي ضمان تطبيق أحسن فهم نستطيع أن نصل إليه للقرآن، لكن هذا لم ينجح في انتشالنا من أدنى مراتب الأمم، والذي نغوص فيه أكثر يوماً بعد يوم.. لم ينجح لأن الطريق أساساً غير سالك وممنوع العبور فيه: لا يمكننا أن ندرس السنة لنفهم القرآن..

هكذا نرى القضاء والقدر عندما ننظر إلى القرآن بعيون السنة..

لكن ماذا لو نظرنا إلى السنة بعيون القرآن؟

الخطاب القرآني بمعانيه الشمولية يؤكد أنّ الكتابة التي يقصدها المولى في القرآن هي كتابة أعمال الإنسان بعد أدائه لها ليس قبل إطلاقاً ولا حتى أثناءه.. عندما ننطلق من هذا المفهوم القرآني ونعيد قراءة الحديث سيفتح لنا باب جديد من المعاني.. سنبدأها بتسأل لابد منه: ماذا كان يقصد عليه الصلاة والسلام بكلمة "الأمة"حين قال: (وأعلم أن الأمّة لو اجتمعت على أن...)؟ هل البشر جميعاً أمة؟ هل كان يقصد الأمة البشرية؟ أو الأمة الإنسانية؟ أم كان يقصد الأمة الإسلامية؟ وخاصةً أن القرآن والرسول لم يستمعلا إطلاقاً كلمة أمة للدلالة على البشر جميعاً.. كيف سيكون معنى الحديث إنطلاقاً من هذا يا ترى؟ كيف يخبر الرسول الغلام بأن يعلم أن الأمة لو اجتمعت (وهو يقصد الأمة الإسلامية) لو اجتمعت على أن يضروه أو ينفعوه فلم يفلحوا، هل هذا يعني أنّ الأمم الأخرى لو اجتمعت لتضره ستنجح؟ وهل يعقل أن تجتمع الأمّة الإسلامية لتضر أو تنفع غلام! أن تضع الأمة عقلها بعقل غلام!؟ كيف نفهم الحديث؟

ماذا لو أن الرسول كان يقصد غير ما نفهمه؟

الرسول عليه الصلاة والسلام باستعماله لكلمة الأمة أنهى المسألة تماماً بحيث يتناغم معنى الحديث مع ما جاء القرآن لأجله.. الرسول لم يقصد إطلاقاً الدنيا، بل كان يقصد الآخرة.. أراد أن يعلّم الغلام - بعد أن علّمه بأن يحفظ الله ويستعين به - بأن أي تقاعس الآن في الدنيا لن يستطيع تصحيحه غداً في الآخرة، لا يستطيع أحد نفعه ولا ضره هناك حتى ولو اجتمعت الأمة، سينال الجزاء العادل الذي يستحقه بناء على أعماله التي تم إحصائها وكتابتها له في الدنيا: تماماً كما جاء بالحديث القدسي:( يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُهُ بينَكم محرَّمًا فلا تَظالموا ..... يا عبادي إنَّما هيَ أعمالُكم أُحصيها لَكم ثمَّ أوفِّيكم إيَّاها فمن وجدَ خيرًا فليحمدِ اللَّهَ ومن وجدَ غيرَ ذلِكَ فلا يلومنَّ إلَّا نفسَهُ)؛ أن يستغل الدنيا لأن الأقلام التي تسجل أعماله لم ترفع بعد وصحفه لم تجف بعد، يستطيع أن يمحي منها ما يشاء ويزيد من حسناته ما يشاء، لكن هناك في الآخرة سيكون كل شيء قد حسم وانتهى..

كيف سيكون شكل الجيل الذي سيتربى على هذا؟ عندما يتعلم وهو صغير أن يحاسب نفسه دوماً وباستمرار ويعدلها نحو الأفضل لأنه قد وعى وأدرك أنه المسؤول عن جميع تصرفاته، وهو الذي يتحكم بمجرى حياته؟

شتان بين المعنى السلبي الذي نحمله لحديث وبين معنى الحديث عندما ننظر إليه من القرآن..

 

ومثلاً، علاقة الرجل بالمرأة وكثرة الإنجاب..
(( تَناكحوا تكاثروا
 (تَناسلوا)، أُباهي بكم الأممَ يومَ القيامةِ )) المحدث: الزرقاوي، المصدر: مختصر المقاصد، 326، خلاصة الحكم: صحيح

الحديث الذي شكل فيما بعد رؤيتنا كلها عن كيفية تعاملنا مع المرأة وموقفنا من الإنجاب، وليس انتهاءً بتحريم تحديد النسل بشكل نهائي وشرعي حتى ولو كانت النية هي لافساح المجال لتربية الأولاد بشكل أفضل..
الحديث واضح أيضاً، الالتهاء بالإنجاب الكثير هو أمر شرعي ما دام صادراً من الرسول عليه الصلاة والسلام، وبالتالي بُرمجنا أن نتكاثر بكل ما نستطيع ونحمل من قوة، تربينا وفق هذا الحديث أن كثرة الإنجاب هي غاية بحد ذاتها.. وتشكلت عبرها دور المرأة، وأصبح الرجل ينظر إلى المرأة من خلال هذا المنظار: أنها الوسيلة التي يستطيع عبرها تحقيق وصية الرسول؛ وتحجّم فيما بعد دور المرأة في رأسه ليناسب فقط هذا الدور: فكيف يسمح لأي امرأة أن تنجح في أي مجال وهي بذلك تلغي وتعطل نصاً شرعياً للرسول، حيث النجاح بمجال معين يحتاج للتفرغ وعدم الإنجاب؟ فأصبح بالتدريج في عقل الإنسان المسلم مكان المرأة هو المنزل ودورها فقط هو الإنجاب..

هذا حدث عندما نظرنا للقرآن من عيون السنة..

لكن ماذا لو نظرنا للسنة من عيون القرآن؟

ماذا يا ترى سيقدم القرآن لنا عن الإنجاب، ما رأي الله جل جلاله في الموضوع؟

ألهاكم التكاثر! ...  لترون الجحيم!

(( ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ* كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ*  كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ* ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ* )) سورة التكاثر..

ما هذه النتيجة التي أوصلنا أنفسنا إليها؟ ما هذا التناقض؟

هذا هو الفهم الأعوج للدين الذي أصبحنا نحمله في رؤوسنا عندما نظرنا إلى القرآن بعيون السنة، العلة ليست بالتأكيد بالسنة، العلة فينا حين ادعينا أن بمقدور السنة أن تفسر القرآن وسرنا بطريق خاطئ، ادعينا أن بمقدور الخاص أن يشرح ويفسر العام؛ لم نفكر أن السنة لا تُفهم إلا بفهم المرتكزات التي بُنيت هي عليها أي "شمولية المقاصد القرآنية".. أصبحت المفاهيم الدينية متناقضة بين بعضها حد التخامة، والترقيع أصبح السمة البارزة.. فكيف يحذرنا الله من التكاثر، ورسوله يدعونا للإكثار منه! من سنصدق الآن؟ كلام المولى أم كلام الرسول؟

الحكاية باختصار شديد تبدأ من الآية:

(( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا * )) الكهف، آية46،

ليس المال والنساء هما زينة الحياة الدنيا، وليس أيضاً أن كلمة البنون تشمل النساء ضمنياً؛ لأنهنّ الأشمل وليس العكس.. لو ذكرت الآية أنّ المال والنساء هما زينة الحياة الدنيا فهذا يعني ضمنياً أن البنون إن أتو أو لم يأتوا مشمولون أيضاً ماداموا نتيجة طبيعية حتمية لعلاقة الرجل بالمرأة.. لكن العكس، لا يؤدي المعنى المراد به قرآنياً: فعندما يتكلم القرآن أن المال والبنون هما زينة الحياة الدنيا فهذا يعني أن الاهتمام بالبنون وكل ما يتعلق بهم هو المقصود وليس علاقة الذكر بالأنثى بمعناه العام..
وذلك من أجل أن نركز على المعنى المراد من الآية: أن الأولاد زينة حياة كلاهما "الذكر والأنثى"..

القرآن يريدنا أن نفهم أن الأولاد هم زينة هذه الحياة.. ولكلمة زينة دلالات عميقة...

أحياناً من شدة الإحباط واليأس الذي نصادفه في حياتنا، من كبر الواجب الذي علينا القيام به في تحسين وضع الأمة المزري التي وصلت إليه، وأمام الكم الكبير من الصعوبات والمعوقات التي نواجهها، نفكر بأن ننجب الأولاد ونربيهم بالشكل الصحيح ليقوموا هم بالمهمة نيابة عنا.. وبالفعل نتزوج وننجب الأولاد ويرتاح ضميرنا ونسلمهم الراية متأملين أنهم سيقومون بما عجزنا نحن عليه.. لكن سرعان ما يكبرون ويواجهون صعوبات ومعوقات جديدة، والأمور التي كانت سيئة على زماننا قد ازدادت سوءاً في زمنهم، والحمل أصبح أكبر وأثقل، ويبدأ اليأس والإحباط في نفوسهم، فيتبنون هم بدورهم فكرة إنجاب الأطفال لتربيتهم بالشكل السليم ليحملوا هم الراية ويقوموا بالتغيير المنشود... وهكذا.. استمرت الحكاية لقرون عديدة، ولم يأتي "البنون" كما كان يتخيل الجميع..

القرآن صريح بمنتهى الدقة، قد أعطانا الوصف النهائي لهم: أن الأولاد ليسوا المكان الأنسب لتضع أملك فيهم، أن تتخيل أن تنجب الأولاد لكي يقوموا هم باصلاح ما لم تقم أنت باصلاحه في حياتك هو محض وهم وسراب وخصوصاً على نطاق تغيير المجتمع.. أن "البنون" ليسوا خير أملاً.. إن أردت أن تكون واثق من التغيير وأن تضع أملك في المكان الصحيح، عليك أن تنظر إلى شيء آخر، إلى "خير أملاً"..

خير أملاً هو أنت: أن تتحمل مسؤولياتك في كونك خليفة، أن لا تستسلم، أن لا ترضى برمي المهمة على عاتق أحد آخر حتى ولو كانوا أولادك.. أن تصنع نفسك لتكون عظيماً قبل أن تطلب من أولادك أن يكونوا عظماء، أن تبذل كل ما بوسعك لتغيير ما يجب تغييره بنفسك وبيديك مثلما فعل الصحابة، ومثلما فعل عمر بن الخطاب، أن تتأمل التغيير بيديك قبل أن تتأمل ذلك في أولادك.. 

ولو نظرنا إلى التاريخ كله، لرأينا أن العظمة لا تنتقل في الحالة العامة إلى الأبناء، بمعنى: أن الإنسان العظيم في الحالة العامة لا يكون والديه عظماء ولا حتى أبنائه.. من النادر جداً، أن يحدث ذلك.. فلا أحد يعلم شيء عن حياة أولاد سيدنا ابراهيم عليه السلام، أو عن حياة أباء أو أبناء أبو بكر الرازي، أو خالد بن الوليد، أو أرسطو أو نيوتن أو آينشتاين أو الفارابي أو أحمد زويل.. هذه هي السمة البارزة في حياة البشر.. العظماء يصنعون أنفسهم..
فتأملك بانجاب الأولاد لتصنعهم عظماء هو أمر لا يمكنك المراهنة عليه لأن مسألة جعلهم عظماء ليست بيديك، هي مرهونة فيهم هم بأن يقرروا ذلك، ويتحدوا صعاب ذلك.. حتى وإن حاولت أن تعلّمهم معنى العظمة وتحببهم فيها، فإن الهوة الشاسعة حين ينظرون إليك ويرون ماذا حققت منها ستفقد كلماتك معانيها..
هذا لا يعني أنه لا يوجد في التاريخ أباء استطاعوا صناعة أولادهم وجعلهم عظماء، بل يعني أن تبدأ بنفسك وتجعلها عظيمة لأنها بهذه الطريقة يكون عملك هو خير أملا..

الآن عودة إلى الحديث لنفهمه من عيون القرآن..

الرسول عليه الصلاة والسلام كان قد فهم ووعى كل مقصد (قريب أو بعيد) قصده القرآن وأراده.. كانت الصورة بذهنه واضحة تماماً.. كان قبل أن يلفظ بأية جملة لتصبح حديثاً، كان يتأكد من صحة هذه الجملة وتوافقها مع جميع المقاصد القرآنية، كان يتأكد من أنها امتداد للمقصد الشمولي، لما جاء القرآن لأجله.. حينها فقط - عندما كان يتأكد من صحة كل شيء - كان يلفظها لتصبح حديثاً..

الرسول انطلق بحديثه من المبدأ أننا نفهم المقاصد القرآنية الشمولية، انطلق ليبني على ما بناه القرآن في عقولنا.. الرسول بذلك الحديث أراد أن يوصل معنى إضافي ممتد من المعنى القرآني.. الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن نعلّي سقف طموحاتنا..  أن لا نكتفي بأن نكون عظماء كما يريدنا القرآن؛ أن نسعى بأن نقتد به: أنه بإمكاننا أن نكون عظماء مثله، وأن يكون لدينا أولاد عظماء أيضاً، بعظمة أولاده عليه الصلاة والسلام "فاطمة وعلي" (حيث تربى سيدنا علي على يد النبي).. أنّ امكانية انتقال العظمة إلى الأبناء أمر ممكن، أن تكون العظمة سلسلة تبدأها أنت وتنقلها للجيل الذي بعدك..

هكذا فقط سيتباهى الرسول بنا، وسيكون للتكاثر معنى..

وتكون عملية التكاثر لم تلهينا..

فننجو من رؤية الجحيم..

 

ومثلاً، (( خيرُ النّاسَ قرنيَ الَّذينَ بُعِثتُ فيهم ثمَّ الَّذينَ يلونَهم )) صحيح البخاري

الحديث واضح جداً، وهو الذي لعب الدور الكبير في عقلية الانسان المسلم في استسلامه للتدهور: استسلامه أن كل جيل يأتي هو أسوأ حتماً من سابقه؛ فلما العمل وتغيير ما لا يمكن تغييره؟ ففقد الإنسان المسلم إيمانه بنفسه وبجدوى قيامه بأي عمل..

وبالتالي أضفت لكل ما هو قديم طابع القداسة، لأن كل ما هو جديد هو أقل خيرية بالضرورة..

مما أدى لنعيش بلا مبالاة للواقع المزري الذي نعيشه..

كيف فعلها الرسول الكريم وقال حديثه ونسي قوله تعالى: (( إِنَّ الّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ* )) البينة، آية7، صفحة598 ؟  الآية التي يعلن فيها المولى أن باب أن يكون أي إنسان من خير البشر مفتوح ليوم القيامة، ما عليه إلا أن يحقق شروط ذلك؟

كيف استطاع الرسول أن يقول أن قرنه هو خير القرون وتجاهل الآية التي تقول أنك تستطيع أن تكون منهم بنفس المستوى إن أردت؟ ما هذا التناقض؟

هذا حدث لأننا نظرنا للقرآن بعيون السنة..

لكن ماذا لو نظرنا إلى السنة بعيون القرآن؟

نعم، كل من يؤمن ويعمل الصالحات سيكون من خير البرية، سيكون من خير البشر على الإطلاق، حتى نحن الذين نعيش في القرن الواحد والعشرين نستطيع أن نكون من خير البشر على الإطلاق إن أردنا.. الأمر كلياً مرهون بنا، بما نعمل.. هذا ما جاء القرآن لأجله..

وهذا ما تعززه أية أخرى: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ...* )) الحشر، آية10، صفحة547

هذه الآية تحدد كيفية العلاقة الذي يجب أن تربطنا بالأجيال التي سبقتنا.. العلاقة علاقة أخوّة، حتى وإن سبقونا بالإيمان، أو سبقونا بأي شيء آخر.. أن ننظر إليهم وإلى أعمالهم ليس من منظار التقديس الأعمى، بل أن ننظر إليهم بندية الأخوّة: من يرى العيوب فيتجاوزها عبر نقدها وتصحيحها بكل قوة ويرى الحسنات فيبني عليها بكل تواضع، بندية من يريد أن ينافس، من يؤمن أنه لا ينقصه شيء لكي ينافس ويأتي بجديد يرفع ويعز الأمة..

هذا ما يقدمه القرآن.. والحديث لابد وأن يكون مبني عليه، لأنه عليه الصلاة والسلام هو أكثر من فهم المقاصد الشمولية للقرآن..

عندما قال عليه الصلاة والسلام أن خير الناس قرني، كان يقصد بها البعد الجماعي "صيغة الجماعة"، أراد أن يعلمنا عبر حديثه أنه هو أول من أسس "العظمة الجماعية" في التاريخ.. قبل أن يُبعث عليه الصلاة والسلام كانت العظمة تتمثل بشكل واحد: عظمة القائد، عظمة شخص واحد.. وباقي المجتمع مجرد أفراد... حتى كل قصص الأنبياء الذين سبقوه كانت كذلك.. لكنه هو، وابتداء منه، أسس العظمة الجماعية: أصبح معظم أفراد المجتمع عظيمين، كل في مكانه..

أراد أن يخبرنا أنه يتباهى عليه الصلاة والسلام بالجيل الذي عاش معه، أنه استطاع أن يجعل أغلب من عاش معه عظماء.. أراد أن يلفت نظرنا إلى البعد الجماعي الذي حققه في أننا يجب أن نلتفت إلى من يعيش معنا، أننا نستطيع أن ننجح كما نجح هو: أن نعمل ونركز على جيلنا فنتباهى بالجيل الذي نعيش معه..

عندما قال عليه الصلاة والسلام الحديث، أراد منا أن نعلي سقف طموحاتنا أكثر وأكثر وأن نقتدي به: أن لا نكتفي بأن نصبح عظيمين، ولا أن نكتفي بنقل العظمة إلى أبنائنا، بل أن ننقل العظمة أيضاً إلى محيطنا ليمتلكها أغلب من يعيش معنا..

وأخيراً، "خير الناس قرني... ثم الذين يلونهم"، ليست بالضرورة  تدل على النهاية الأعلى، بل تدل أيضاً على البداية الأوطى.. فمثلاً من يعيش بالنمسا ويلتزم بحس الخلق، ليس بالخيرية نفسها الذي يعيش بأفريقيا ويلتزم بحسن الخلق، حتى وإن وصلوا لنفس الرفعة والسمو عبر أدائهم الأخلاق ذاتها.. ففرق الظروف ومشقة البداية للأفريقي تعطيه الأفضلية والخيرية: فمن يبدأ من الصفر ويصل إلى العشرة، ليس كمن يبدأ من الثلاثة مثلاً ويصل إلى العشرة.. وكذلك الأمر تماماً هنا مع "الذين يلونهم" لا تعني في أنهم لن يصلوا لما وصل إليه جيل الرسول عليه الصلاة والسلام، بل تعني أن كل الأجيال التي ستأتي من بعده سيولدوا بظروف أفضل، وبالتالي طريقهم سيكون مختصر أكثر أو أيسر أكثر: أي، الفكرة ليست أن كل الأجيال التي ستأتي من بعده لن تستطيع أن تصل إلى العشرة، بل الفكرة أنّ جيله هو فقط من سيقطع الطريق كله وباقي الأجيال لن تبدأ من نفس البداية، ستتنعم بشيء ما؛ وبالفعل كل الأجيال التي تلت لم تبدأ من الصفر كانت تمتلك شيئاً ما.. وهذا ما يعطي أي جيل آخر أمل زيادة في إمكانية أن يصل لما وصل إليه عليه الصلاة والسلام، مادام صحابته قد حققوا الأصعب أو القفزة الأطول..

 

 


المراجع:
إعمال العقل، للدكتور لؤي صافي، دار الفكر – دمشق
البوصلة القرآنية: إبحار مختلف بحثاً عن خريطة للنهضة، للدكتور أحمد خيري العمري، دار الفكر – دمشق
المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.