رواية طيور الجنوب

الاثنين, July 10, 2017
كاتب المقالة: 

في نهاية اليوم الطويل الشائق كانا كمن يعرف بعضهم بعضاً منذ الميلاد، وليس منذ ساعات، نظر صلاح في ساعته قائلاً:

-لا يبق على أذان العصر إلا نصف ساعة، لنذهب لمسجد الحي لأتعرف عليه.

بدت معالم الحرج على وجه جواد وقال:

- بل سأسرع للبيت فلدي شيء هام لأعمله.

-إذن فأنزلني أنا عند المسجد وعد أنت.

-هناك مسجدان متقابلان0 سأنزلك عندهما، وأنت تقرر أيهما 00هاهما؛ على اليمين مسجد بلال بن رباح، ومقابله مسجد أهل السنة والجماعة.

- شيء غريب، الحي مترامي الأطراف وليس فيه مساجد، فلماذا اختار من بنى المسجد الثاني أن يكون ملاصقاً للأول؟

اندهش جواد لسذاجته وهز كتفيه:

- لا أدرى 00أراك غداً.

-وأنت في أيهما تصلي؟

-لا لا ليس فيهما بل في مسجد آخر في نيو جيرسي0

-ساعة لتصل إلى مسجدك بينما المسجد هنا على الناصية؟!

أجابه جواد في عدم صبر ورغبة واضحة في إنهاء الحديث:

- انزل فلن أدرك موعدي0

انطلق جواد بسرعة بينما نظر صلاح عن اليمين وعن الشمال للمسجدين في حيرة، ثم انتهى به الحال إلى استخدام طريقة طفولية في الاختيار "حادي بادي سيدي محمد البغدادي." وانتهى به الانتقاء العشوائي إلى مسجد بلال بن رباح، كان مسجداً ضيقاً فقير المحتويات وعدد المصلين فيه لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، وكلهم تقريباً من أصول إفريقية. لم يتجاوب معه أحد عندما بادر البعض بالحديث. أتم الصلاة بسرعة وعدم ارتياح ثم انصرف.

كانت الصلاة قد انتهت في المسجد المقابل عندما دخله صلاح من باب الفضول ليتعرف عليه. كان مبنى مدنياً واسعاً من دور واحد، غير معد لأن يكون مسجداً، استأجره بعض أعضاء الجالية وحولوه إلى مسجد فكان بلا مئذنة ولا قباب. لا يدل على هويته المسجدية سوى يافطة رخامية ثمينة مكتوب عليها "مسجد أهل السنة والجماعة". كان مفروشاً بسجاد فخم ومزود، بمكتبة ثرية، والظاهر لمن يراه هو أنه رغم إمكاناته المادية المرتفعة كان شديد الاقتصاد بشكل ملفت في النقوش والزخارف المتعارف عليها في تزيين المساجد. قاطنو المسجد كانوا رجالاً عديدين بملامح متعددة آسيوية وعربية خليجية وإفريقية وشقراء أوربية. ويبدو أن أحدهم كان قد لمحه خارجاً من مسجد بلال فرمقه بنظرة نافذة فهم منها صلاح على الفور أن ما بين المسجدين هو تنافس "فكري" من هذا الذي عهده في الوطن. لم يكن الموقف بحاجة إلى ذكاء ليفهمه، ولكن ما أثار استغرابه هو متى وكيف انتقلت هذه العدوى إلى المهجر، وصمم على معرفة القصة.

توجه إلى أحد الجالسين وهو شاب بيده مصحف يقرأ فيه بشفتيه الضائعتين في لحيته الضخمة، جلس صلاح بجواره حتى أتم القراءة ثم سلم عليه، وآثر الدخول في لب الموضوع.

- أنا من مصر أتيت منذ يومين للعمل وأسكن قريباً، لمن هذين المسجدين؟

مد الشاب يده مصافحاً ومتحدثاً بعربية فصحى:

- اسمي ظياء من باكستان، أدرس الهندسة، المسجد هنا لأهل السنة والجماعة، وهناك [بقرف] لجماعة أمة الإسلام.

- وماذا فعلت أمة الإسلام هذه لتخرج خارج زمام أهل السنة والجماعة؟

رد عليه الشاب بهدوء وبنبرة توجيهية:

- أنت مصري، أعرف أنكم جميعاً من أهل السنة والجماعة، أهل السنة والجماعة هم من نأوا بأنفسهم عن البدع والضلالات، أما هؤلاء فامتلؤوا بغرائب العادات والعبادات وأدخلوا الدين في السياسة وقضية السود وأشياء أخرى كثيرة ستعرفها بمرور الوقت. هذه البلاد مليئة بالمبتدعين على عقيدة التوحيد من المسلمين من كل أنحاء العالم. لا عليك، فقط كن معنا فالتوحيد هو غاية المؤمن والخروج عنه هو أسهل من استلال شعرة من عجين نيئ، فاحذر الخلطة بهذه الفرق والجماعات. فقط الزم فرقتك الناجية من النار، هل صليت هناك؟

رد صلاح بفزع فضحته عيناه الضيقتان:

- نعم....

*مقطع من رواية طيور الجنوب

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.