رواية طيور الجنوب.. وفن البحث عن المشترك

الأحد, November 27, 2016
كاتب المقالة: 

"لم يلق كتاب في دار الفكر ولا رواية من قبل مثلما لقيت رواية (طيور الجنوب) من أخذ ورد، وقيل وقال، ونقاش، وبحث... مما أخر صدورها تأخيراً غير مقصود حتى استقر رأي اللجنة على اعتمادها".

بهذه الكلمات المحيرة ابتدأ الناشر تصديره لهذه الرواية المثيرة للجدل، والتي انتهى الخلاف حولها إلى منحها جائزة الرواية لعام 2004، مع أنها لم تنشر إلا في الشهر السابع من عام 2005، فبالرغم من كونها العمل الأدبي الأول للدكتورة أماني أبو الفضل، إلا أن إلمام الكاتبة بالقضية التي عالجتها بحرَفية مشهود لها، ومقاربتها للواقع المرير الذي يعيشه المسلمون في الغرب، قد مكّناها من حيازة هذه الجائزة بجدارة، وترك بصمة عميقة لها في عالمي الفكر والأدب.

تدور أحداث الرواية في مدينة نيويورك، حيث يلجأ إليها الشاب الصعيدي (صلاح) بعد أن تمكن من إيجاد فرصة عمل مجزية، والذي سرعان ما ينخرط في العمل الإسلامي الدعوي، بكل ما فيه من مصاعب، نتيجة تعدد المذاهب والفرق الإسلامية على نحو لم يشهده في مدينته الوادعة على ضفاف النيل، كما تدفعه الأقدار للاختلاط بعائلة جاره العراقي الشيعي (جواد)، ليدخل في دوامة من الصراع النفسي- الفكري بين ما يتولى بعض "المتشددين" تلقينه إياه من كراهية، وبين الواقع المخالف الذي يلمسه في معاملة جيرانه وصديقه، إلى أن تتكشف له الحقيقة ويبدأ بتلمس نقاط التقارب معتمدا على وعي شيخه السلفي (حسن).

تتوالى الأحداث وتتعمق علاقات الصداقة بين الطرفين، إلى أن تلعب أحداث الحادي عشر من سبتمبر دورها في تهييج المشاعر ضد المسلمين، ثم يأتي دور الحب ليلعب دوره مع إصرار (صلاح) السني على الزواج من جارته الشيعية (ليلى) وسط تعنت الجميع، وهو ما يشعل نار الحقد الدفين، حيث تمضي الكاتبة في تصعيد التوتر بين المسلمين أنفسهم في خضم ذلك الصراع مع الآخر المتربص، إلى أن يستثمره بعض المغرضين في إذكاء نار العداء من خلال مناظرة بين الطرفين برعاية صهيونية، فتتم تعبئة العوام من الجهتين ويُسقط في أيدي العقلاء الذين خسروا ما بنوه في سبع سنوات من التفاهم بنصف ساعة.

تنبع روعة الرواية من خلال إمساك الكاتبة بأطراف الأحداث، والتي تعمل على تحريكها بحركة سلسة من الشد والإرخاء، مما يمكنها من الحفاظ على انتباه القارئ، فبعد أن يبلغ التصعيد مداه يأتي اللقاء بين الشيخ حسن بلحيته الكثة وجلبابه القصير وبين السيد مصطفى بعمامته السوداء، ليتمخض الحوار الهادئ العميق عن فكرة تأسيس لجنة في المهجر للتقريب بين المذاهب، إلا أن أيدي الغدر التي تعمل في الخفاء تنجح في تشتيت الشمل بالقوة، لتسقط الضحية على مذبح الصراع اللامبرر، وتستيقظ الجموع المفجوعة في مشهد درامي على الحقيقة التي غابت عنهم بالرغم من كل الصراخ.

يمكن القول بأن الكاتبة قد أحسنت التوغل في أعماق الشخصيات ومرجعياتها الدينية والثقافية، مستفيدة من حصيلتها العلمية، ومن تجربتها العملية في النشاط الإسلامي في الغرب، وهي التي نجحت في توظيفها لخدمة الرسالة التي تدور حولها الرواية، فضلا عن البراعة في الضرب على الأوتار الحساسة دون إثارة أو تقريع، وإلى درجة من الشفافية والحياد قد توحي للقارئ باللا مذهبية.

من جهة أخرى، فإن أسلوب الكاتبة يعطي شعوراً بالواقعية إلى حد يوحي بالسردية، كما أن التقمص الجيد للشخصيات سواء من خلال الحوارات الفكرية التي تملأ الرواية، أو حتى لحظات التصعيد بين طرفي الصراع والغرام التي تمر بها الشخصيات تشي جميعها بقدرة عالية على التصوير ونقل القارئ إلى جو الحدث.

أخيراً، وعلى الرغم من خطورة القضية وحساسيتها، إلا أن الرواية قد نجحت في تلمس مواطن الخلل بهدوء، ثم في نقل مستوى الصراع من الصعيد الداخلي إلى الخارجي، من خلال البحث عن المشترك، وإيقاظ ضمير القارئ بحوار عقلاني- عاطفي هادئ ومتزن، وهو الصوت الذي يجب أن يعلو على غيره هذه الأيام.

رواية طيور الجنوب

الكاتبة د. أماني أبو الفضل

الناشر: دار الفكر المعاصر، بيروت

المصدر: 
موقع العصر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.