شكري المبخوت المدير العام لمعرض تونس الدولي للكتاب تحت شعار “نقرأ لنعيش مرّتين”: نؤمن بالمعرفة المرحة المحبّة للحياة

الاثنين, March 20, 2017
كاتب المقالة: 

لا يكاد الجالس إلى  “شكري المبخوت” أستاذ التعليم العالي ورئيس جامعة “منوبة” في تونس  يتبيّن كُنْهَ ضحكته المجلجلة..  أهي تعبير عن انتشاء عارض أم قناع به يحتمي ليخفي ما مرّ به من مسالك وعرة…هو لغويّ لا يميل إلى اللّغو إلا سردا..انشغل بالبحث الأكاديمي لينفجر دفعة واحدة في رواية”الطلياني” التي طارت حتى حطت في رحاب “البوكر” فكان أوّل تونسي يظفر بهذه الجائزة العالميّة… هو الآن رئيس الدورة33لمعرض تونس الدولي للكتاب التي ستمتد من 24مارس إلى 2أفريل 2017… ومعه كان هذا الحوار

 بدأ العدّ التنازلي لانطلاق الدورة 33 لمعرض تونس الدولي للكتاب تونس… السيّد “شكري المبخوت” ما المتحوّل في هذه الدورة الذي راهنت عليه الهيئة الجديدة؟

لمعرض تونس الدولي للكتاب تقاليده الراسخة من الناحية التنظيميّة وله سمعة جيّدة لدى الناشرين العرب رغم الصعوبات الكثيرة التي شهدتها البلاد. لذلك فإنّ الهيئة المديرة هذه السنة لم تنطلق من فراغ. فإذا تركنا جانبا الناحية التنظيميّة فإنّ معرض تونس صار مهرجانا ثقافيّا أدبيّا بأتمّ معنى الكلمة. فالجانب الأدبيّ والفكري لم يعد مجرّد نشاط مصاحب بل اتّخذ بعدا آخر مهمّا. وأردناه هذه السنة مناسبة للتفكير في الراهن التونسيّ والإنساني وطرح الأسئلة الحارقة من خلال اللقاءات الحواريّة التي تمثّل أكثر من تسعين بالمائة من النشاطات. وهي لقاءات تدور أساسا على الانتقال الديمقراطي في تونس من زاوية ثقافيّة بعيدا عن الاستهلاك الإعلاميّ والمناكفات السياسيّة. فما حدث في تونس تجربة فريدة مميّزة ينبغي أن ننكبّ عليها، تونسيّين وعربا وأجانب، بالتأمّل والتدبّر والمحاورة الرصينة. لنا أيضا في هذه اللقاءات عناية خاصّة بمشاكل الكتاب ومهنه واحتفاء بالإصدارات الجديدة الجادّة والأسماء التي أضحت علامات في الأدب التونسي مثل أبي الرواية التونسيّة البشير خريّف الذي نحتفل بمائويّته في المعرض ومحمّد المرزوقي الذي ساهم في صنع الذاكرة التونسيّة ووثّق الشعر الشعبيّ في تونس.

والفسيفساء الثقافيّة التونسيّة دفعتنا أيضا إلى الانفتاح على أسئلة الرواية العربيّة إذ سنحتفي بالرواية السوريّة احتفاء خاصّا على سبيل التحيّة للشعب السوريّ وسنستضيف وجوها برزت في السرد العربيّ للتداول في تلك الأسئلة من جلّ البلدان العربيّة.

ولنا في المعرض برنامج للاحتفاء بالذكرى 150 لوفاة “بودلير” وبأعلام فارقونا بين الدورتين مثل “فاطمة المرنيسي” و”أمبرتو إيكو” ومؤخّرا “تزيفتان تودوروف” وغيرهم. لكنني أعتقد أن من الأحداث الثقافيّة المهمّة في هذه الدورة حضور المفكّرة اللاّمعة خليفة إدوارد سعيد في دراسات ما بعد الاستعمار بجامعة كولومبيا الأمريكيّة المرموقة “غاياتري سبيفاك” إلى تونس علاوة على أسماء مؤثّرة في الثقافة الإفريقيّة اليوم مثل “أشيل مبامبي” وجماعة ممّن يسعون إلى صياغة الحلم الإفريقيّ بالحريّة والتقدّم.

ما أستطيع أن أوكّده أنّ البرنامج الثقافيّ المقترح خرج عن السبل المعهودة المكرورة واتّجه نحو صياغة القضايا بأسلوب لا يحلو من جدّة دون أن يقع في تقديم محاضرات متجهّمة لأننا نؤمن بالمعرفة المرحة المحبّة للحياة. لا تنس أننا اخترنا شعارا للدورة هو “نقرأ لنعيش مرّتين”

رب مسرور بقدومك سيبتئس ورب مبتئس سيسرّ…فهل نأى السيّد شكري المبخوت بنفسه عن القدح والتشكيك في كلّ مدير جديد أم ناله نصيب مما يصيب الوافد الجديد دائما ؟

مشكلتنا أنّنا نشخّص الأمور دائما. فثمّة هيئة تعمل بتناسق وجدّ تسعى إلى أن تقدّم أفضل ما يمكنها تقديمه. وشكري المبخوت ليس مهمّا جدّا كشخص إلاّ بمقدار البصمة التي سيتركها في هذه الدورة. إنّنا نتحدّث عن مؤسّسات ثقافيّة وعلينا ألا نفكّر فيها بمنطق الحاكم بأمره. ما يعنيني أكثر هو أن نبرز وجه تونس الثقافيّ التنويري الحداثيّ وأن نتفاعل مع المفكرين والمبدعين العرب لصنع الأمل والحلم المشترك رغم كل المؤشّرات السلبيّة وأن نحكم اتصالنا بفسيفساء الثقافات في العالم. فوراء المعرض مشروع ثقافيّ وإن كان جزئيّا. لذلك ينبغي أن يدور النقاش والنقد وحتّى الانتقاد على هذا المشروع نفسه لا على الأشخاص. والحقّ أنني لست منزعجا من النقد والانتقاد لأنهما دليل عندي على تعلّق المنتقدين بهذه التظاهرة الثقافيّة المهمّة المشعّة. علينا في موقع المسؤوليّة أن نتقبّل نرجسيّات الكتّاب وأن نصغي إلى رغباتهم قدر الإمكان فليس لهم من رصيد غير رأسمالهم الأدبيّ ومن الشرعيّ أن يبحثوا عن طريقة لتنميته ومن بينها الحضور في التظاهرات الكبرى. المشكلة الوحيدة أنّنا لا نستطيع أن نشرّك الجميع وإلاّ وقعنا في الترضيات التي تفسد التصوّرات التي صغناها. أقول ببساطة لمن لم يقع اختيارهم للمشاركة في ندوات المعرض وأمسياته القصصيّة والشعريّة سواء من التونسيّين او الإخوة العرب: “المعرض معرضكم وليس معرض “شكري المبخوت” والآتي أجمل” تذكّروا فقط أن عدد التونسيّين المشاركين في حدود 170 مشاركا أضف إليهم نصف هذا العدد من غير التونسيّين عربا وغير عرب.

هناك نزوع للاحتفاء بالكمّ والأرقام في معارض الكتب العربية…هل تخلّصت هذه الدورة من هذا القيد لتحوّل المعرض إلى رافعة ثقافيّة تؤصل الكتاب حضورا ونشرا وتداولا طارحة بدائل؟

إذا اتفقنا على أنّ المعرض هو مكتبة كبيرة واسعة فإنّ الأرقام تصبح مهمّة. فنحن ننسى أحيانا أنّ المعارض، علاوة على طابعها الثقافيّ، هي فضاء تجاريّ كذلك فالكتاب بضاعة وتوظيف لأموال في النشر والتوزيع. والواقع أن ما يبحث عنه الناشرون والموزّعون والقرّاء الزائرون والجهات المنظّمة وكل الفاعلين في معارض الكتب ليس دائما متطابقا. ولا يمكنك أن تغري الناشرين بالحضور إذا لم تكن حركة البيع مربحة. ننسى أيضا الأوضاع الاقتصاديّة الصعبة في بلدان عديدة وارتفاع سعر الكتاب بالنسبة إلى متوسّط الدخل. ما يزعجني شخصيّا هو أنّنا نتذكّر مشاكل الكتاب وتوزيعه بمناسبة معرض الكتاب في حين أنّ المسألة ترتبط بتطوير القراءة ومدى القدرة على خلق الجمهور القارئ الذي سيدفع حتما بعالم النشر والتوزيع للتطوّر. إنّها مسألة حضاريّة بقدر ما هي مسألة اقتصاد الكتاب في علاقته بالصناعات الثقافيّة. من هنا لن تكون معارض الكتب رافعات ثقافيّة دون الاهتمام بهذه المؤشّرات الكمّيّة ومتابعة تطوّرها لأنها تحمل لمن يحسن قراءتها دلالة مهمّة.

أنت أكاديمي وروائي تعايش يوميا عملية ولادة الكتاب في تونس..برأيك أين تكمن أزمة الكتاب التونسي؟

لم يعد نشر الكتاب بفضل التطوّر التكنولوجي يمثّل مشكلة. المشكلة في رأيي أنّه لا توجد دورة طبيعيّة للكتاب تحترم فيها جميع حلقات السلسلة. تجد كتبا مليئة بالأخطاء وهو ما يعني انّ جلّ دور النشر لا تحترم مهنة المصحّح توجد كتب لا تتوافق مع أجناسها الأدبيّة أو فيها أخطاء بدائيّة مما يعني أن دار النشر لا تحترم مهنة المحرّر الأدبي (بالمناسبة خصصنا لقاء عن هذه المسألة سيشترك فيه فيصل درّاج وحسن ياغي) وقس على هذا. شخصيّا تصدر كتب في تونس لا أسمع بها. فالإعلام الثقافيّ لا يقوم بدوره وإذا سمعت بهذا الكتاب أو ذاك فأنا لا أجده في المكتبات القليلة المختصّة في بيع الكتب. بل الغريب أنّ من الناشرين من يصدر كتابا وبعد بيع عدد من النسخ باسم دعم الكتاب إلى وزارة الشؤون الثقافيّة التونسيّة لم يعد له وجود في غير فهارس دار الكتب الوطنيّة. أمّا خارج تونس فحضور الكتاب التونسي يكاد يكون معدوما إذا لم ينشر في لبنان. إنّها وضعيّة تتطلّب درسا دقيقا لأنّ الكتاب التونسيّ في مجالات كثيرة مطلوب وله سوق واسعة في العالم العربيّ.

تتحوّل المعارض إلى ما يشبه وكالات الأسفار لا تكاد تتبيّن  فيها أحيانا الوافد من المغادر…كيف بنى مدير المعرض ومرافقيه إستراتيجية الدعوات و وكيف رسم أهداف الندوات التي ستقام في صلب المعرض؟

لنقل إن المعارض مناسبة من المناسبات القليلة التي تتيح للمثقّفين والمبدعين العرب فرصة التلاقي. دعك من الإخوانيّات وتبادل الدعوات والمجاملات فهي منتشرة ولكنّها ليست محدّدة. شخصيّا لم أشارك في أيّ معرض من معارض الكتب العربيّة قبل حصولي على جائزة البوكر فليس لي ما يدعوني إلى ردّ الجميل (يضحك). لذلك فقد اعتمدت لجنة البرنامج الثقافيّ على خطّة تقوم على اختيار الموضوعات التي بدت لها مهمّة. ثم وقع تحديد المضامين المطلوب معالجتها. وبحسب المنشورات الجديدة الصادرة بين دورتين وذات الصلة بهذا الموضوع أو ذاك وقع اختيار المدعوّين. هناك أيضا أصحاب الخبرة في مجال مّا ممّن لم يزوروا معرض الكتاب ولا تونس من قبل وهناك أسماء مهمّة بارزة يشرّف حضورها المعرض.

طبعا هي اجتهادات لتكون الدعوات موضوعيّة إلى حدّ كبير لكن هذا لا ينفي الاعتماد على شبكة العلاقات الشخصيّة فكثير من المدعوّين سيحضرون رغم التزاماتهم لأنّنا ألححنا عليهم وكنا نعرف أنّ الصداقة الخالصة بيننا ستدفعهم إلى قبول دعوتنا حتّى أنّ من المدعوّين المهمّين مثلا من اعتذر عن المشاركة في معرض باريس مثلا في الفترة نفسها ليحضر معرض تونس. مثل هذه الأمور ليست سهلة ولا بديهيّة.

مدير معرض الكتاب أكاديمي وروائي وليس موظفا في وزارة الثقافة …هل هذا برأيك عامل إضافة وتفتّح أم قفز في المجهول؟

نسيت أنّه مسؤول أكاديميّ بصفته عميدا ورئيسا لجامعة (.. يضحك) بمعنى أن التسيير والإدارة ليسا غريبين عنه. أنا شخصيّا أشعر أنّني أشتغل بأريحية لأنّ حياتي كلّها بين الكتب مطالعةً وكتابةً.. لا أحسن شيئا آخر غير هذا تقريبا (…يضحك مرّة أخرى). من هذه الناحية لا يوجد قفز في المجهول بل أسعى مخلصا إلى أن أقدّم من هذا الموقع ومن خلال تجربتي وعلاقاتي ما يمكنني أن أقدمه للكتاب التونسيّ وللمثقّفين والمبدعين التونسيّين. المسؤوليّة تعلّمك السخاء وشيء من كرم الروح حتّى على حساب المصلحة الشخصيّة. مصلحتي في رواياتي وكتاباتي. صحيح أنّني أخّرت كتابة رواية جديدة لكنّني أصدرت منذ تعييني كتابين في أواخر سنة 2016 أي بعد تعييني مديرا عامّا للمعرض. رهاني دائما هو ألاّ تمنعني المسؤوليّات عن الكتابة. أرى الأمور متكاملة لا متنافرة.

ما هما الكتابان؟

أتممت مشروعين شرعت فيهما منذ مدّة هما “الزعيم وظلاله” عن السيرة الذاتيّة في تونس و”أحفاد سارق النار” عن السيرة الذاتيّة الذهنيّة وصدرا بتونس.

حاوره محمّد صالح مجيّد

المصدر: 
جريدة " رأي اليوم"
موضوع المقالة: