عبدالحميد الطائي يفتح كل الأبواب بمفتاحه الخاص في "بن"

الاثنين, April 17, 2017
كاتب المقالة: 

منذ بدايته في الكتاب الأول "لاتح" وحتى الرابع "بن" الذي صدر قبل ايام عن دار الفكر في دمشق يقدم لنا الكاتب والمفكر عبد الحميد الطائي تجربة حياة كاملة عبر نمط محدد من الكلمات التي تتسم بطابع الايجاز والبلاغة.

انه شديد الحرص على تدريب نفسه دون كلل في متن لغة صافية تشبه الماء لحظة خروجه من النبع. انها حروفه التي لا تهدأ على كل الجبهات. مرة مؤنسة، وأخرى متوعدة، وثالثة متوثبة، ورابعة ناطقة بالقيم التي لا تشبهها قيم قيلت من قبل... تلك الحروف التي اعتصرها الكاتب عبد الحميد كي يخرج منها ذلك الزبد في ما يشبه لحن الحياة كلها، بكل مواصفاتها وعبرها، وما تختزنه من قوة وارشاد، بل ما يتردد في متنها من علم وثقافة وفن وتجريب وتحديد أهداف.
الكاتب عبدالحميد يكسب الحياة تجربة مكتوبة مرصوفة بحروف العربية التي نعرفها ولكننا نكتشفها معه كأنها ولدت لتوها ، ناضجة طازجة فواحة . كلما اقتربنا منها ضجت فينا تجربته التي ليست على تواضع لأن اللعب مع الحروف والكلمات يحتاج لكبرياء الذي يملك مفتاحا يفتح كل الابواب دون ان يخذله باب منها.
لا أقول ان كتابه الرابع نضج واكتمل، هو منذ كتابه الاول أدخل في وعينا مرونته في استقطاب الحروف والكلمات ليكون سيدها المطلق ، المعبر عما يجب ان يعبر عنه ، المكتشف لما هو لمّاح في الاكتشاف ، المسبر للأغوار العميقة . حتى كأنه اللاعب الماهر الذي أمضى سني عمره وسط القواميس والمفردات ووسط خلجات الشعر وصوره ومعانيه ، وأقرب الى رسم اللوحات بكل تشكيليتها ، بل وسماع أعذب الالحان بكل موسيقاها التي تجمل النفس وتهذبها.
لو وصفنا كتبه بالحكم لقلنا انها مختارة بعناية المجرب.. ولو قلنا انها جاءت بلا تجريب لقلنا ان كاتبها عبقري اجتماعي انكب على متابعة العالم بدقة الراصد الذي يتحين فرصة الانقضاض على كل صغيرة وكبيرة. ما نقرأه يؤكد ذهابه إلى اللحظة للقبض عليها ، وإلى الكلمة لتفجيرها او تفجير مكنوناتها ، وإلى العبارة كي تكون صرخة انسانية لواحد من هذا العالم الذي يفرح ويتألم ويضحك ويبكي ويتقدم ويتأخر ويخاف ويقتحم ... تناقضات كاملة الأوصاف هو عطاؤه.
 لا يرحمنا الكاتب عبد الحميد ونحن نقرأه ونتنقل بين صفحاته وبين حروفه وكلماته، وبين الجملة وصداها ، بين المعنى الدقيق في كلمات مختصرة ، وبين القدرة على فهم ما يريده . في كل مشهد من المعاني المكثفة في كتابه الأخير صورة لجمهورية من الكلمات الساخنة التي تلسع العقل ، وتدمع فيها العيون . هو لا يترك شيئا مما يعاش الا وجاءه بحكمة او فكرة او لوحة شعرية او غناء حزين او نشيد قوة او عبارة مستخرجة من واقع ودلالة.
يحتاج كتاب عبد الحميد إلى الكثير من الصبر والمصابرة لأن صاحبه يخترع لغة هي قمة المختصر المفيد .. يظن للوهلة الأولى ان قلة الكلمات في الصفحات تساعد على انهاء الكتاب خلال ساعات قليلة .. لكن الحقيقة ان دون ذلك عناء . فكثيرا ما تقف عند العبارة لتتأمل وتفكر وتكرر المحاولة وتعيد قراءة النص المكثف فيها.
فهي قصة مفتوحة لمن يريد رواية الحياة ، وهي شعر مكتوب بفرادة من يريد التعقيد من أجل الافهام والتثقيف.. هي لوحة ألوانها متسقة لا يمكن فهم الصورة من خلال لون واحد، وهي موسيقى فيها الكثير من الهارموني ، بل هي ربيع متكامل بزهوره وأشجاره المتفتحة وعصافيره المزقزقة ورائحة الارض الخارجة من مخاض المطر.
وفي النهاية هو كتاب الحب المفتوح، حيث الإنسان من أجل الإنسان ، ومن أجل الطبيعة والكون، من اجل ان نكتب الأحلى، ونحلم بما لم يحصل بعد ، وكما يقول الشاعر ناظم حكمت (من أجل بلاد لم نزرها وأطفال لم يأتوا بعد إلى الحياة..) وهو كتاب الخلاصات التي كما نرجو ان تتقيد الحياة به فتتخلص من عللها.
"بن".. كتاب جامع مانع غني الأبعاد يدشن عصرا جديدا في تجربة الكتابة التي ليست من أجل الكتابة بل من أجل الإنسان أينما كان.

 جريدة الوطن العمانية 30مارس/آذار

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.