محمد الشاويش أكد أن الدولة عبر مراحل التاريخ لم تكن وطيدة الأركان بلا عصبية تسندها...قراءة في كتاب "نهضات مجهضة.. جدل الهوية والفاعلية"

الاثنين, June 19, 2017
كاتب المقالة: 

يطل الباحث في وقائع تجارب نهضوية ثم إجهاضها من غير أن تبلغ نهايتها في عالمنا العربي، على مواضع الخلل والقصور في تلك النهضات، ويضع يده على أسباب فشلها، وكيف تمكن خصومها من إجهاضها، وهو ما يمكن إسقاطه على وقائع معاصرة بالإفادة من دروس تلك التجارب السابقة. 

في هذا السياق يتصدى الكاتب والباحث السوري محمد الشاويش، في كتابه "نهضات مجهضة.. جدل الهوية والفاعلية" لدراسة خمس تجارب نهضوية، عبر محطات تاريخية منتقاة، بمنهجية تاريخية تحليلية، تظهر مواطن القوة والتميز في تلك التجارب، وفي الوقت نفسه تسلط الضوء على مواطن الضعف الذاتي، التي مكنت خصومها من إجهاضها وإفشالها.

تضمن الكتاب قراءة في سيرة حياة خمس شخصيات من التاريخ الحديث، وهي شخصيات مهمة، يرجع اختيار المؤلف لها ليس لأهميتها السياسية العامة التي يتطرق إليها الباحثون عادة، بل لأهميتها في الإطار البحثي الذي يركز عليه، ألا وهو إبراز العلاقة بين الكفاح في سبيل الحفاظ على الهوية الثقافية المميزة، والكفاح في سبيل فعالية حضارية قادرة على جعل هذه الهوية المميزة قابلة للبقاء، وفقا لتعبير مالك بن نبي المفضل "غير قابلة للاستعمار". 

وقدم المؤلف توصيفا للمحطات التاريخية المنتقاة، والتي تحركت تلك الشخصيات النهضوية ضمن مساحتها الزمانية، فكانت المحطة الأولى: هي محطة "ما قبل الغزو الأوروبي" ثم بداياته، وكانت الشخصية الفاعلة فيها، الزعيم المصري عمر مكرم، الذي قدم مع أنصاره "بدايات الفاعلية الجماعية" بحسب توصيف الكتاب.

المحطة الثانية: هي محطة الاحتلال الأجنبي في عصر الخديويين إسماعيل وتوفيق، والشخصية فائقة الأهمية هنا هي شخصية (عبد الله النديم)، وهي شخصية فريدة من نوعها كما يراها الكاتب؛ لأنها تشكل أول نموذج معروف للمثقف التأصيلي الفاعل، وهو المثقف الذي يمتلك خاصية العلاقة العضوية العميقة مع ثقافة شعبه، ولكنه في الوقت نفسه يحرك هذا الشعب ـ لأنه ينطق بلغته ـ نحو التغيير الحضاري المنشود. 

أما المحطة الثالثة فقد ظهرت فيها شخصيتا (مصطفى كامل) و(محمد فريد)، وهما تمثلان محطة النضال ضد الاحتلال، مع المواجهة الواضحة، ربما لأول مرة، لمشكلة العلاقة بين المستوى السياسي والمستويات الأخرى في المجتمع، ولتعقد العلاقة بين السلطة الاستعمارية والقوى السياسية الداخلية. 

ووفقا للكتاب فإن المحطة الرابعة المختارة، مثلتها شخصية (حسن البنا)، وهي تقدم حالة انحراف حركة اجتماعية نهضوية مبشرة إلى حركة تآمرية نخبوية، مصابة بهذا المرض المزمن الذي يعرقل النهضة عندنا، وهو مرض (فرط التسييس) بحسب عبارة المؤلف القلقة.  

وذكر الكاتب أنه وباقتراح من دار الفكر ـ الناشرة والموزعة للكتاب ـ أضاف محطة خامسة من تاريخنا العربي الإسلامي في منطقة المغرب الأقصى، وهي محطة المجاهد والنهضوي الكبير الأمير عبد الكريم الخطابي، وما هو متميز في تجربته كان دمجه بين هدفين هما مقاومة الاستعمار ونهضة العلاقات الاجتماعية الداخلية، فقد كان أستاذا كبيرا ملهما في العملين معا.

وتابع حديثه عن الخطابي "كان أستاذا استراتيجيا في الفن العسكري، شهد له خصومه من فرنسيين وإسبان، وكان أستاذا في فن النهوض بما سيسميه مالك بن نبي لاحقا (شبكة العلاقات الاجتماعية)، فكأنه كان تطبيقا خلاقا لهذه الحدوس النظرية لجاره الجزائري الذي سيأتي بعده بجيل واحد". 

اعتنى المؤلف كثيرا بإبراز نقاط التشابه، ربما إلى حد التطابق بين أسباب فشل تجارب سابقة، وتجارب أخرى معاصرة، إذ ما من حالة كان يمكن أن تشكل تجربة نهضوية معاصرة تم إجهاضها، إلا وهي مسبوقة من حيث أسباب فشلها وإجهاضها بتجارب نهضوية سابقة، لو استفاد المعاصرون من دروس السابق لنجوا من الوقوع فيما وقعوا فيه طبقا لملاحظة المؤلف.

نموذج نهضوي : التحول إلى الفاعلية الجماعية 

ومن أوضح الأمثلة التي يمكن تناولها والتركيز عليها في هذا الإطار، (هذا المقال يقتصر على قراءتها وعرضها)، التجربة الأولى التي درسها المؤلف والتي جاءت تحت عنوان "عمر مكرم إرهاصات التحول إلى الفاعلية الجماعية"، تلك الشخصية التي يرى المؤلف أنها من طراز تلك الشخصيات التي يقولون عنها "إنها تصنع التاريخ"، مع أنها لم تشتهر عند عامتنا، بل ربما لم تشتهر عند جماهير مثقفينا، وإن كانت معروفة مشهورة عند المهتمين بالتاريخ الإسلامي والعربي الحديث.

وصف المؤلف عمر مكرم بأنه "من الشخصيات التي كان يشار إليها بالبنان في مصر قبيل الحملة الفرنسية وفي أثنائها، ثم في عصر محمد علي، وكان من صناع أساس التاريخ الذي هو (العمران) ـ بحسب المصطلح الخلدوني ـ، وكانت مساهمته "في وضع أساس لدولة من نوع جديد تقوم في ديار الإسلام، وتكون عودة خلاقة إلى الدولة  الأولى التي كانت دولة من المسلمين الأحرار، وليس من المستعبدين". 

واعتبر المؤلف أعمال عمر مكرم بأنها "كانت من الإرهاصات الأولى لمكون جوهري من مكونات النهضة الضرورية، ألا وهو مكون الجماعة الفاعلة الحرة، على نقيض ما كان عليه الوضع حتى عهده، وهو عبودية الجماعة وقطيعيتها تجاه السلطة، فالفاعلة تعني أنها لا تتوحد نظريا بعقيدة عامة تجمعها لفظيا فقط، شأن المسلمين في عصرنا في الغالب من حالاتهم، بل تعني الجماعة المتحركة التي يشعر فيها كل فرد أنه مسؤول عن مصير الجماعة، ومسؤول عن تحقيق هدفها، وتحويل رؤيتها للحياة إلى واقع. 

ولبيان الدور النهضوي الذي قام به عمر مكرم، ذكر المؤلف أن الدولة عبر مراحل التاريخ الإسلامي لم تكن وطيدة الأركان بلا عصبية تسندها، وفقا لنظرية ابن خلدون، وإن ذكرنا مصر بالذات فسنذكر أن الدولة فيها ربما كانت تستند إلى عصبية فريدة من نوعها في التاريخ، وهي عصبية المماليك، أي الأرقاء أصلا.  

كان المماليك في الأصل قوة مؤلفة من أرقاء يجلبون من بلاد القوقاز وآسية الصغرى، وينتظمون في تدريب عسكري منذ طفولتهم، بحيث يكون منهم الجيش والأمراء، ولم يكن حكامهم غالبا من أسر متوارثة، بل كان المماليك يجددون صفوفهم دوما بأجيال جديدة من الأرقاء المجلوبين، إذ كانوا من ذوي النسل القليل المنقطع.

كان هؤلاء إذن قوة منفصلة عن المجتمع في كل شيء، ولم يكن للعامة حيالهم من خيار إلا أن يطيعوهم ويقبلوا تسلطهم ضمن حدود عامة، ولكن العامة لم يخلوا من قوى تنظمهم، فقد انتظم الحرفيون والتجار في المدن في طوائف حرفية يقودها شيخ الكار، على أن الزعماء الأهم للعامة كانوا هم العلماء. 

وأبرز المؤلف من خلال الوقائع التي ذكرها، والتي كان نجمها وسيد مشاهدها عمر مكرم، كيف تغير حال العامة من كم مهمل متفرق، لا رأي له ولا فعل، إلى كل فاعل له قيادة مستقلة، استطاعت أن تغير من نظام الحكم في مصر، وتمهد السبيل لنظام جديد، هو نظام محمد علي، الذي استطاع فيما بعد اختراق هذا الإنجاز العظيم (فرض مبدأ مشاركة العلماء في القرار والحكم..) الذي هو مبدأ أصيل في تجربة الحكم الراشدي، عبر استغلاله ضعف العلماء وإغرائهم بالمال والمناصب. 

ظهور دور عمر مكرم

ولد عمر مكرم نحو عام 1750م، (التاريخ تقريبي إذ لم يكن يُهتم بتاريخ الميلاد في بلادنا آنذاك)، وكانت ولادته في مدينة أسيوط لأسرة تنتسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومن هنا جاء لقب (السيد) الذي يسبق اسمه غالبا في المراجع، وقد تلقى العلم على علماء عصره، ودرس في الأزهر، وإن كان على علمه واطلاعه الواسعين، وهو ما تشهد به مكتبته الكبيرة، لم يشتغل في التدريس أو التأليف، وإنما عمل في الشؤون العامة، واعتاش من عمله ناظرا للأوقاف. 

ظهرت شخصية عمر مكرم بما له من نفوذ قوي في الأوساط الشعبية، في ثورة العامة عام 1795 على جور المماليك، والسبب المباشر لهذه الثورة كان فرض ضرائب تعسفية على إحدى القرى في الشرقية، فقام أحد مشايخ الأزهر، عبد الله الشرقاوي، وكانت له في هذه القرية أرض، بجمع المشايخ وإغلاق أبواب الجامع الأزهر والمناداة بإغلاق الدكاكين، وكانت هذه هي الشرارة التي أضرمت النار، إذ كانت النفوس تغلي بسبب ما كان يرتكبه المماليك من مظالم وتعديات يومية على الناس، فاحتشدت العامة، وكان المشايخ في طليعتهم، فقابلهم مندوب عن الأمير إبراهيم، وسألهم عما يريدون؟

وبحسب ما نقله المؤلف عن المؤرخ الجبرتي فإن مطالبهم كانت "نريد العدل ورفع الظلم والجور، وإقامة الشرع وإبطال الحوادث والمكوسات التي ابتدعتموها وأحدثتموها"، لكن أمراء المماليك تلكأوا في الاستجابة لتلك المطالب، فازداد هياج العامة، وتقاطروا على القاهرة والضواحي والقرى المجاورة لها، ما جعل الأمراء يحنون رؤوسهم للعاصفة ويجتمعون مع المشايخ ومنهم عمر مكرم، ويظهرون التوبة، وقبول ما أراده العلماء منهم، مثل الإقلاع عن الظلم والجور.. 

وحدد المؤلف الزمن الذي "تحول فيها عمر مكرم إلى الزعيم الأول في القاهرة" بعد وصول الفرنسيين عام 1798 إلى الإسكندرية، التي لم يحتلها الفرنسيون بسهولة، بعد مواجهتهم مقاومة شعبية شرسة وقوية جدا، وقد توجهوا بعدها إلى القاهرة، فظهر دور عمر مكرم كزعيم يحرض الناس على مقاومة الفرنسيين، وبعد معارك شرسة اضطر المماليك والمتطوعون للانسحاب أمام القوة الفرنسية، وتم دخول قوات نابليون للقاهرة. 

وحاول نابليون استمالة عمر مكرم، بتعيينه عضوا في ديوان يضم تسعة أشخاص، لكنه رفض ذلك، وحين وجد نابليون أن عمر لم يتعاون معه عزله عن منصب نقيب الأشراف، وصادر أمواله، وعين الشيخ خليل البكري مكانه، وكان هذا مثالا سيئا للانتهازي الأناني، الذي لا يقيم وزنا حتى لكرامته الشخصية، إذ غمر نابليون بهداياه، ورضي لنفسه بعلاقة شائنة مع الفرنسيين، وصلت إلى حد أثار عليه سخط الشعب المصري واحتقاره. 

وذكر المؤلف أن شخصية عمر مكرم ذات النفوذ الشعبي القوي ظهرت بعد انسحاب الفرنسيين، وتوقيعهم اتفاقية الجلاء عام 1801، وعودته مع السلطة العثمانية، لكن مصر دخلت في فوضى عارمة، وتم تبديل الولاة العثمانيين مرارا، إلى أن استقر الأمر لأحمد خورشيد باشا عام 1804، الذي أغرق الشعب بضرائب باهظة، ومارس عليهم ألوانا من الظلم والجور، مما هيج العامة عليه، وحملهم على الثورة بقيادة العلماء، وكان في مقدمتهم الزعيم عمر مكرم. 

وتم الاتفاق بعد ذلك على تولية محمد علي، باقتراح من عمر مكرم، والذي استطاع بدهاء سياسي، وحشد المتطوعين عسكريا في القاهرة، إنفاذه وتطبيقه، حتى استجاب السلطان العثماني لذلك، ونفذ رغبة الشعب وقيادته، ووفقا للمؤلف فقد كانت هذه نقطة تاريخية حاسمة؛ إذ يولى الوالي بقوة الشعب لأول مرة في تاريخ مصر، لا بقوة السلطة العثمانية أو بقوة المماليك..
 
ووصف المؤلف ذلك المستوى من الوعي الذي وصلت إليه العامة وقادتها في ذلك الوقت، بأنه كان يمثل لبنة أساسية من لبنات الروح النهضوية الإسلامية الجديدة، وانبلاج نور فجر جديد بعد ليل السبات الذي دام بضعة قرون، انقضت في جور وفساد وتدهور للحالة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في مصر.

لكن تلك الأعمال الريادية التي أنجزها عمر مكرم، كإرهاصات بين يدي نهضة مرجوة، والتي تلتها جهود جبارة ومذهلة في مقاومة الحملات الإنجليزية بعد ذلك، تمكن محمد علي من الانقلاب عليها، حينما استطاع شراء ذمم العلماء الذين كانوا يمثلون القيادة الواعية الموجهة، وحينما فسد العلماء انحدرت هيبتهم بين الناس، وما عادت لهم كلمة مسموعة، وهذا بالذات ما سعى إليه محمد علي قاصدا.

ويخلص المؤلف إلى القول "لم يكن محمد علي يستطيع أن يحكم مصر حكما مطلقا ـ وهو ما كان يخطط له ـ ما دامت العامة تحت قيادة هؤلاء العلماء الذين رفعوه إلى سدة السلطة على شرط أن يعود إليهم، ولا يستبد بالأمر دونهم، ومما زاد الطين بلة تحاسدهم، وتفرق كلمتهم، وهذا نتيجة منطقية لتكالبهم على الدنيا". 

 

المصدر: 
موقع عربي21
موضوع المقالة: