من رواية نوف

الخميس, July 12, 2018
كاتب المقالة: 

بيتر..أعاد الجد سماعة الهاتف إلى مكانها، ثم التفت إلى زوجته التي كانت تعرض على نوف بعض الصور العائلية وقال:

- سيصل بيتر غداً مساءً. ثم أردف، وهو يحملق في نوف:

- قال إنه يتحرق شوقاً لرؤية نوف.

تساءلت نوف باسمة:

- من بيتر؟

ابتسمت الجدة بحنان وقالت:

- خالك!

لاحت الدهشة على وجه نوف وهتفت:

- خالي؟ ولي خال أيضاً؟

أردفت الجدة:

- كان صغيراً حين توفيت أمك، وهو الآن في الثلاثين ويعمل في شركة في نيويورك، ويزورنا كل بضعة أشهر، وعليَّ أن أجهز غرفته.

لا حظت بعض السهوم على وجه الجد فتساءلت برقة:

- ما لك يا جدي؟

نظر إليها الجد حرجاً وقال بعد تردد:

- بيتر شاب طائش، وصريح جداً، وقد يضايقك بكلامه وتصرفاته.

ترددت نوف قليلاً ثم قالت باسمة:

- لا عليك يا جدي العزيز، لا تحمل هماً، سأتقبل الأمر.

- إن مزاحه من العيار الثقيل.

ربتت على كفه الضخمة وقالت:

- لا تقلق يا جدي، سأتقبل مزاحه.

حملت نوف الطرد إلى منزل مارتا، في حين لحق الجد بزوجته وهي تعد الغرفة لبيتر، وباح لها بما يقلقه:

- أخشى أن يضايق بيتر الفتاة!

قالت الجدة وهي تغير أغطية الفراش:

- لا تقلق عليها! تبدو واثقة من نفسها على ضآلة حجمها.

كانت الساعة قد اقتربت من الثامنة مساءً حين عاد الجد من المطار وبصحبته بيتر.. شاب أشقر طويل كثير الشبه بأمه، وإن كان في حجمه وطوله أقرب شبهاً بأبيه، وحين رأى نوف صاح:

- لم يخبراني أنك جميلة جداً!! لكن لا تتوقعي أن أعزف عن الأمريكيات وأغازلك.

ابتسمت نوف على استحياء، في حين هتفت الأم وهي تدعوهم إلى المائدة:

- هيا لنأكل.. لقد أعددت لك بعض أطباقك المفضلة.

تحلقوا حول المائدة، ومضى بيتر يثرثر ويمزح، فتضحك الجدة وتبتسم نوف، والجد يأكل بصمت حتى قال بيتر فجأة:

- لابد أنك تجدين الحياة في الكويت مضجرة جداً.. لست تستمتعين بحريتك، فأنت مضطرة للسكن مع أهلك طوال حياتك ولا يسمح لك باتخاذ عشيق! كما علمت من أمي أنك تخرجين بثياب سوداء مريعة تغطيك من رأسك حتى أخمص قدميك.

سألت نوف بهدوء:

- أتحب أن أجيب عن سؤالك؟

- طبعاً.

- أولاً أنا أحب الكويت فهي وطني الغالي، وفيها أهلي وأقربائي وأصدقائي، ولا أجد الحياة فيها مضجرة بتاتاً، لقد حبانا الله تعالى بمجتمع مترابط متكافل، لو عشت فيه يا خالي العزيز لدهشت من قوة الروابط العائلية بين أفراده.

ابتسمت الجدة، وتنهد الجد، وعلق بيتر:

- بلا خمر، ولا علاقات عاطفية بين الجنسين، بتقاليد تكبل المرء من رأسه حتى أخمص قدميه.

احتفظت نوف بهدوئها وهي تقول:

- العادات والتقاليد جزء من كل مجتمع، وتقاليدنا تتوافق مع ديننا الذي هو أساساً جاء لإسعاد البشر لا لشقائهم، ولو كان في الخمر خير ما حرمها الإسلام، حتى النصرانية كانت تحرم الخمر قبل تحريف الإنجيل.

هتف بيتر محتجاً:

- لست أؤمن بالأديان.. إنها هراء.

قالت نوف:

- حتى لو كنت لا تؤمن بها، لا أظن أنه يخفى عليك مضار الخمر الصحية والاجتماعية.

- ليس لها مضار!

قالت الجدة:

- لا تكابر بيتر.. لا تنس عمك جون الذي مات بتليف الكبد بسبب إدمانه، ولا تنس جارنا ستيف الذي فصل من عمله بسبب إدمانه فهجرته زوجته، وقصصاً أخرى كثيرة.

قال بيتر مدافعاً:

- لكنه يمنحك شعوراً بالنشوة والدفء و...

قاطعته نوف برقة:

- والغياب عن الوعي والعقل! ترى لم تريدني أن أغيب عن وعيي وعقلي؟

- غياب عن الوعي مؤقت لكنه لذيذ.

- مؤقت في البداية ومدمر في النهاية! ما المتعة في أن يغيب المرء عن عقله، حتى ولو كان لمدة قصيرة، إن العقل نعمة من الله وهبها لنا فلم لا نحافظ عليها؟ والصحة أيضاً نعمة فلم لا نتمتع بها؟

احتج بيتر وهو يتمطى:

- لا تكون الحياة جميلة بلا خمر، وها أنا ذا أشرب الخمر منذ كنت في الثالثة عشرة وما زلت محتفظاً بكامل صحتي ولياقتي.

قالت نوف:

- ولا تدري عما ستكون عليه غداً! ثم إن القضية ليست قضية صحة فقط، فعندما يفقد المرء عقله بفعل السكر يكون أقرب إلى الحيوان منه إلى الآدمية!

أراد بيتر أن ينتقل إلى جانب مختلف فتساءل ضاحكاً:

- وماذا عن الحب؟ لا أصدق أن فتاة في عمرك لا تتمنى أن تجرب الحب!

- أي حب تقصد؟ هناك أنواع مختلفة من الحب.. حب البنت لأبويها، وحب الزوجة لزوجها، وأنا أحببت أبي وإخوتي وجدتي، أحببت جدي مايكل وجدتي جين.

قهقه الجد في سرور بينما قال بيتر مغيظاً:

- هيا.. ما عن هذا سألتك؟

قالت نوف:

- وهناك الحب الأسمى والأعلى والأجل.. حب الله عز وجل، لكن مع الأسف ما أظنك عرفته، وبدوري لا أستطيع وصفه لك، من الصعب أن تشرح طعم التفاح لمن لم يتذوقه قط!

زم بيتر شفتيه وزعق:

- ولا عن هذا أيضاً.

أردفت نوف باسمة:

- أكل ذلك الحب الذي حدثتك عنه ليس حباً في نظرك!! الحب بنظرك ينحصر فقط في ذلك الاشتهاء بين الرجل والمرأة؟

خبط الجد المائدة بقبضته وهتف:

- نوف.. أنت رائعة فعلاً!

هزت الجدة رأسها وقالت:

- ألم أقل لك؟

اندفع بيتر يصيح في هياج مثل مقاتل شرس يوشك أن يخسر المعركة:

- هيا.. لا تتهربي.. لقد اعترفت أنك تحبين الصراحة.. لا تقولي أنك على درجة من العفة بحيث لا تفكرين بالرجل مطلقاً.

- أنا لم أقل هذا.. أنا مثل كل فتاة أتمنى أن يكون لي زوج وبيت وأطفال.. علاقتي بالرجل يجب أن تكون من خلال الزواج، وأرفض تماماً أن تكون خارجه، وإذا كنت ترى عاداتنا وتقاليدنا تكبل حياتنا وتعوقها، فنحن نراها ضوابط لحفظ مجتمعنا ولخيره، فالحرية التي تزيد على حدها تضر ولا تنفع.. الحرية بلا ضوابط تضر المجتمع ولا تنفعه.. عندنا مثل في الكويت يقول: «الشيء إذا زاد عن حده انقلب ضده».

صمتت نوف برهة ثم قالت:

- أظن أني قد أجبت عن سؤالك يا خالي.

قال بيتر ساخراً:

- عبثاً تحاولين إيهامي أن فتاة مثلك ليس لها عشيق! يستحيل أن أصدق ذلك! لا شك أنك تفعلين ذلك من دون علم والدك!.

ابتسمت نوف وقالت:

- وأيضاً لدينا مثل في الكويت يقول: «كل من يرى الناس بعين طبعه» أي يراهم كما يرى نفسه.

قهقه الجد من جديد، وراح بيتر ينفث دخان سيجارته بغيظ!

قبل أن تنام أرسلت تقول لشوق:

اذكري الله يا شوق وقولي ما شاء الله لا قوة إلا بالله.. لا أدري من أين جئت بكل تلك القوة والثقة والطلاقة، وأنا أناقش خالي! حقاً.. {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 8/17] ! آه، على ذكر الخال.. فاتني أن أقول لك إني اكتشفت أن لي خالاً أيضاً.. يبدو أن المفاجآت لن تنتهي!!

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.