مهارة “القراءة” في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

الثلاثاء, August 8, 2017

تعتبر القراءة والكتابة من أهم وسائل نقل المعرفة في القديم والحديث، إضافة إلى ما ظهر اليوم من وسائل أخرى كالتسجيلات الصوتية والفيديوهات وغيرها من وسائل وأدوات نقل المعرفة، وتناقل المعرفة مهم جداً لاستمرار دوران عجلة التقدم النهضوية والعلمية والإنسانية، ولكن القراء والكتابة هما الوسيلتان الأهم لنقل هذه الخبرات والمعلومات عبر الأزمان والعصور، فبالقراءة تتوسع المدارك وتثرى المعلومات و تزيد الخبرات و تكسب الإنسان خبرات، إذا أراد تحصيلها وحده فإن حياته القصيرة لن تكفيه لتحصيل واحد بالمئة منها، فالخبرات تراكمية والمعلومات المستقاة توظف في الاستخدامات العلمية والمنجزات الحضارية، لذلك فالقراءة ثقافة، تسود في المجتمعات ويتنبه بها الناس إلى أهميتها وضرورتها عن طريق الوعي الكامل، لا يمكن لإنسان أن يصبح قارئاً في يوم وليلة، متى أراد ذلك، لا شك أن للإرادة دورا هاما في ذلك، لكن القراءة تكون بالممارسة بدرجة أساسية.

تعريف القراءة قدرة بصرية صوتية أو صامتة، يفهم بها الفرد ويعبر بها ويؤثر فيمن حوله بها، القراءة تعني استخلاص المعنى من المادة المكتوبة وتحليل رموزها، القراءة تنطوي على الانتباه، والإدراك، والتذكر، والفهم، والتذوق، والانفعال، القراءة هي القدرة على تقوية الحواس والذاكرة والعقل للحصول على الكثير من المعرفة، القراءة هي استرجاع منطقي أو عقلي للمعلومات في الدماغ، وتكون المعلومات على شكل رموز، حروف، أو صور، من فوائد القراءة؛ اكتساب المعرفة، والاتصال بالمعارف الإنسانية في حاضرها و ماضيها، واتصال الإنسان بعقول الآخرين وأفكارهم، كما أنّ في القراءة متعة للنفس وغذاء للعقل تزيل فوارق الزمان والمكان فنعيش في أعمار الناس جميعا ونعيش معهم أينما كانوا وأينما ذهبوا. وقد اتَّجه المهتمون بالقراءة في السنوات القليلة الماضية نحوَ الاهتمام بدراسة الأسباب الكامنة وراء مشكلات القراءة بوجهٍ عام، والضعفِ القرائي على وجه الخصوص؛ حيث تحوَّلت اهتماماتُهم من دراسة الأسباب البيئيَّة والاجتماعية التي تؤدِّي إلى تدنِّي مستويات الأداء القرائي لدى المتعلمين، إلى الاهتمام بدراسة العمليات المعرفيَّة وفوق “ما وراء” المعرفيَّة التي يستعملُها المتعلمون عند القراءة، والتي يمكنُ من خلالها معرفة بعضِ أسبابِ التفوُّق والضعف القرائي، وقد حقَّق هذا المدخل تقدُّمًا ملموسًا؛ حيث كشَف عن احتمال وجودِ فُروقٍ في العمليات المستعمَلة في القراءة، يمكن أن يُعْزَى إليها التميز والفروق بين المتفوقين والأقل تفوقًا؛ حيث ركَّز الباحثون على العمليَّات الذاتية التي يسلُكها المتعلِّمون للحصول على المعرفة.
والقراءةُ مهارةٌ يَختلف في تحصيلها المتعلمون باختلاف طرقِهم الخاصة في التمكُّن منها، حيث تُعدُّ القراءةُ من أكثر الأنشِطة العقلِية تعقيدًا، فهي تتطلبُ معرفةَ شكل الكلمة سمعيًّا وبصريًّا، كما تتطلبُ التفكيرَ، وتَوقُّع المعاني التي تَرمزُ إليها الكلمات، وهي أشبَه ما تكونُ بحلِّ المشكلات، واستنباطِ الفروض، والتحقُّق من الاستنتاجات، إنها تتضمَّنُ كلَّ أنواعِ التفكير؛ من التقويم وإصدار الأحكامِ، والتخيُّل والاستنتاجِ، وحلِّ المشكلات.
ولا جِدال في أن القراءةَ الواعيةَ هي القراءةُ التي تَقترِن بالفَهم، والفهمُ القرائي يعتمد على إعمال عددٍ من العمليَّات العقليةِ الإدراكية “الاستراتيجيات المعرفية، والاستراتيجيات فوق المعرفية”، والتي تَزايد الاهتمامُ بها في الأعوام الأخيرة؛ نظرًا لدورِها الكبيرِ في مساعدةِ المتعلِّم على اكتساب المعلومات وتخزينِها واستعمالِها، وينسَجِم هذا الاهتمام مع التوجُّه الحديثِ للتربية؛ الذي يركِّز على معالجة المعلومات في أُطُرٍ أو صيغٍ ذات معنًى تجعلُ المتعلمين مستقلِّين ومشاركين نَشِطين في التعلُّم.
ما أهمُّ استراتيجيات مهارة القراءة لَدى متعلِّمي اللغةِ العربية للناطقين بغيرها؟ البحث عن تِلك الاستراتيجيات المستعمَلة لدى متعلِّمي اللغة ومعرفتها ووضعها أمامَ معلِّمي ومتعلِّمي مهارة القراءةِ، له أثرٌ فاعل في تعلُّم وتعليمِ مهارة القراءة بما تقدِّمه تلك الاستراتيجيات من خُططٍ مُحكمة تنظِّم وتُرشِّد عمليةَ التعلم، بحيث يَعتمد المتعلمون استراتيجياتٍ متنوعة ذات جَدوى خَبروها وجرَّبوها أثناء القراءة، والقرَّاءُ المهرةُ هم الذين يستخدمون استراتيجيات فعَّالة ومناسبة في فَهم المقروءِ بحيث يتفاعلون معَه، ولعلَّ هذا هو الفرقُ الرئيسُي بين القارئِ الجيِّد عن غيرِه؛ حيث يَكمُن في نوعيَّة الاستراتيجية التي يستخدمها في أثناءِ القراءَة، والقُراءُ الذين لا يَستعمِلون الاستراتيجيات، أو لا يُحسِنون استعمالَها أو اختيارَها سيقعونَ في أمرين: سوءِ الفهم، وطولِ الوقت.
والفهمُ القرائيُّ يمكن تحسينُه وزيادتُه بالتعرُّف على الاستراتيجياتِ النَّافعة واستعمالها وتَدريبِ الآخرين عليها، “وكلَّما ازدادَت معرفةُ المتعلِّم باستراتيجياتِ القراءةِ والتعلُّم، زاد فهمُه لما يقرؤُه، وزاد وعيُه بذاته وما يقوم به مِن عمليات معرفيَّةٍ وغير معرفيةٍ مما يترتَّب عليه مراقبةُ تِلك الاستراتيجيَّات وتنظيمها لتحقيق الهدفِ من القراءةِ.

محاور الاستراتيجيات في مهارة القراءة لدى متعلمي اللغة العربية الناطقين بغيرها

المحور الأول: الاستراتيجية التذكرية المباشرة: تؤكد هذه الاستراتيجية أنّ المتعلّم يبدأ باستذكار بعض المفردات التي اكتسبها سابقاً بمجرد قراءته للنص الجديد.
المحور الثاني: الاستراتيجية المعرفية المباشرة: تؤكد هذه الاستراتيجية أنّ المتعلّم يستحضر المعلومات المرتبطة بما سيقرؤه، وما يفعله هو وضع مجموعة من الصور الذهنية لبناء إطار عام للمعلومات الجديدة الني سيواجهها في النص.
المحور الثالث: الاستراتيجية المعرفية غير المباشرة: تشير هذه الاستراتيجية إلى معرفة المكتسب بما له علاقة الفهم المتعلق بنص وحول ما يتوجب عليه أن يفعله عند فشله في فهم المقروء.
المحور الرابع: الاستراتيجية الانفعالية: تشير هذه الاستراتيجية إلى تقبّل وانفعال المكتسب لموضوع القراءة، واندماجه في فكرة النص المقروء.
المحور الخامس: الاستراتيجية الاجتماعية غير المباشرة؛ تؤكد هذه الاستراتيجية أنّ العوامل الاجتماعية تنعكس في المادة المقروءة، وكذلك متغيرات السياق الاجتماعي داخل القاعة الصفية والتي تؤثر بدورها على القراءة.
هل هناك فُروقٌ بين الطلابِ المتفوقين والطلابِ الأقلِّ تفوقًا “في التحصيل اللغوي” في استعمالهم لاستراتيجيات مهارةِ القراءةِ؟ وتبيَّن بعض الدراسات أن الاستراتيجياتِ مهمةٌ للمتعلِّم حيثُ تشيرُ البحوثُ إلى وجود عَلاقة إيجابية بين التفوقِ في تعلُّم اللغةِ وبين استخدامِ استراتيجيات مهارة القراءة؛ فمتعلِّمو اللغة الجيِّدون يَستخدمون الاستراتيجيات المناسبةَ لمستواهُم الدراسيِّ، ولشخصياتِهم، ولأعمارِهم، ولهدفِهم من تعلُّم اللغة، بل وحسَب جنسِ الدارس ونمطِ اللُّغة المدروسَة، كما تبيَّن أن متعلِّمي اللغة الجيِّدين يَستخدمون مجموعةً متنوعةً من الاستراتيجياتِ، والطلابُ الذين يستعمِلون استراتيجياتِ مهارة القراءة يتلقَّون المعلومات بشكلٍ أفضلَ، ووقتٍ أقصرَ، وجهدٍ أقلَّ.

أنواع القراءة
القراءة الصامتة هي القراءة التي تعتمد بشكل أساسي على العين والذهن، فهي قراءة تفتقد إخراج أي صوت سواء مرتفع أو منخفض، ولا يقوم القارئ بتحريك شفتيه عند القراءة الصامتة، ويتمّ استعمال هذا النوع من القراءة في المراحل المتقدمة في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها لكن بنسب متباينة ومتفاوتة، ولهذه القراءة العديد من الأغراض التي تقوم عليها وهي: زيادة الرغبة في التمعّن والتذوق للقراءة، وأيضاً تمكن القارئ من فهم ما يتم قراءته بطريقة أعمق وأفضل، قدرة المكتسب للغة على حصوله للكم الهائل من المفردات والمعاني وحفظها وتخزينها، وتطوير الإمكانيات اللغوية والفكرية لديه، وللقراءة الصامتة العديد من المزايا فهي: تعتبر من الطرق التي يتم من خلالها اكتساب المعارف والحصول على المتعة التي يريدها المكتسب للغة من خلال قراءته، وتعدّ من الطرق الاقتصادية في تحصيل المعلومات، كما أنها تعتبر الطريقة التي تؤدي إلى تركيز المكتسب عند القراءة، وحصر العقل في المعلومات التي يقرأها قراءة صامتة ويستطيع فهمها بشكل أدقّ وأسرع، ويحصل القارئ من خلالها على الهدوء والصمت والراحة، ويعتاد المكتسب للغة من خلال القراءة الصامتة على نفسه في عملية الفهم والدراسة.
القراءة الجهرية هي عكس القراءة الصامتة تقوم على النطق بالحروف وإخراجها من مخارجها، فالقراءة الصحيحة هي التي تخلو من أي أخطاء، وهي التي تعتمد على القراءة بصوت مرتفع والتعبير عن المعاني التي يتم قراءتها، يوجد مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوافر في القراءة الجهرية وهي: أن تكون القراءة ذات جودة عالية في نطق الكلمات، والأداء بطريقة حسنة وسليمة، ويجب الالتزام بالمخارج الصحيحة للأصوات، التقيّد بالوقف الملائم والمناسب عند علامات الترقيم، الالتزام بالضبط الصحيح لحركات الإعراب. يجب أن يتمتّع بالسرعة المناسبة لعملية الفهم والإفهام.

قراءة الاستماع
تختلف هذه القراءة عن القراءة الجهرية والصامتة في أنّها تعتمد على عملية السمع فقط، وتلقي ما يتمّ سماعه من الآخرين، وتستعمل هذه الطريقة في جميع المستويات، ولها العديد من الفوائد والمميّزات وهي: تكون طريقة جيدة لتدريب الطلبة على حسن الاستماع وحصر العقل فيما يقوله المتكلم والسرعة العالية في الفهم، تعدّ وسيلة جيّدة في الكشف عن المواهب والإمكانيات المختلفة للطلبة، ويتم معرفة جميع الفروقات بين الطلبة، معرفة المشاكل التي يعاني منها الطلبة، والعمل على علاجها وتصحيحها.

المصدر: 
جريدة " الوطن" العمانية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.