نقد الذكور وأدب النساء: نماذج من عبدالله إبراهيم وإدوارد سعيد و ك. ك. رثفن (الجزء الأول )

الثلاثاء, February 13, 2018
كاتب المقالة: 

على الناقد أن يمشي على أطراف أصابعه لئلا يتعثر في سرد النساء الشائك...يناقش ك. ك. رَثفن الأسترالي الأصل في أول فصل من كتابه Feminist Literary Studies الصادر عام 1984 عن منشورات جامعة كيمبرج، والذي أعيد طبعه عدة مرات، محاذير أن ينبري رجل لنقد الفكر أو الأدب النسويين، لذا فقد كتب كتابه وهو يمشي على أطراف أصابعه لئلا يتعثر في أرض النساء الوعرة بكلمة أو عبارة قابلة لأن تأولها سلباً القارئات النسويات اللواتي تعلمن جيداً قراءة النصوص «قراءة نسوية مقاومة (بكسر الواو)» تيمناً بالقراءة الماركسية المقاومة التي تحلل الافتراضات الدفينة حول علاقات القوى والملكية في النصوص، أو القراءة التحليلية النفسية التي تنبش المعاني المكبوتة خلف البراءة الظاهرية للنصوص أو عنفها المبالغ فيه، أو القراءة «الإدوارد سعيدية» التي تتصدى لإمبريالية النصوص المشبعة بأيديولوجيات فوقية خفية تمرر دونية الشرق وشبقية نسائه بصفتها مسلّمات تاريخية، أو القراءة الصهيونية للنصوص التاريخية التي تتعمد إسقاط ما دأب اليهود على تسميته بمعاداة السامية عليها لتبرير إنشاء وطن قومي لهم

ولا تقل القراءة النسوية المقاومة للنصوص راديكاليةً وأهميةً، وربما ترويعاً أحياناً، عن تلك القراءات، فهي تتربص للكتّاب أيضاً وقد ترهبهم. وإذ مهد علم السيميولوجيا الذي أرسى قواعده دي سوسير لفتوح معرفية في التحليل النفسي على يد جاك لاكان الذي بحث في العلاقة بين الإشارات اللغوية واللاوعي، وفي التحليل الأنثروبولوجي على يد ليفي شتراوس الذي أفاد من البنيوية من حيث هي بحث في أنماط التفكير الكامنة في كافة الأنشطة الإنسانية، وفي تحليل الإشارات الكامنة في الطقوس والأساطير الثقافية على يد رولان بارت الذي فضح الكيفية التي تعزز فيها تلك الإشارات قيم الثقافة البرجوازية وأفكارها، فقد أفاد الفكر النسوي من تلك الفتوح المعرفية، ولم يتوان عن توظيفها في سبر غور مفهوم الأنوثة بأبعاده النفسية والأنثروبولوجية والثقافية، كما استغل ذلك الفكر تفكيكية جاك دريدا أيضاً في دحض الثنائيات الفكرية المسلم بها. وبالتالي توافرت كتابات نسوية غير منقطعة عن سياقها التاريخي تمكن الباحثات من تفكيك النصوص والمواقف والمسلّمات ومن الحفر تحتها وتعرية براءتها باستخدام مفكات أساطين الفكر في القرن العشرين وجنونهم ومغامراتهم الفكرية نفسها. فلا تتسامح القراءة النسوية – وقد تسلحت بكل ذلك – مع ما قد يمرره الأدباء، أو النقاد، أو الفلاسفة، أو العلماء، أو أرباب السينما، أو صهاينة وسائل الإعلام، أو مدبجي القوانين الوضعية وغير الوضعية، من افتراضات أو مسلمات – واعية أو لا واعية – عن دور المرأة في المجتمع، أو دونيتها، أو تبعيتها، أو غبائها، أو ضعفها، أو مكرها، أو نجاستها، أو إباحة تسليعها، أو وجوب حبسها ومراقبتها، أو توجيهها نحو الانهماك الأبدي في تنعيم بشرتها وشدها ونفخها وتفتيحها لتستحق الحياة. وتتربص القراءة النسوية على الأخص لما يُظنّ أنه موقف تقدمي يدعم المرأة، لكنه في الواقع موقف قد يتهاوى أمام جحافل القراءات المقاومة التي تكتشف إنه يخفي تحت القناع الوردي الذي يدّعيه نفساً طبقياً أو إمبريالياً أو شوفينياً معادياً لـ«قوم» النساء ينطلق فيه من موقع «السيد الأدرى صاحب القول الفصل» الذي لا يريد لشهرزاد العصر الحديث أن تسكت عن السرد غير المباح حتى لو أدركها الصباح لإمتاع حضرته أكثر وأكثر بالتفرج على دخيلة نفسها لا جسدها فقط، ولا يريدها أن تسرد إلياذات وملاحم جديدة تنافسه بها، فلا بأس أن تسرد له سيرة جسدها الذاتية بالتفصيل مراراً وتكراراً
   نأى رَثفن بنفسه عن تناول نصوص أدبية نسوية معينة في كتابه، فكتابه معنيّ بالمنهج النسوي في دراسة الأدب. ويسهل احترام جدية ذلك المنهج لأنه يواكب كل تلك التطورات الفكرية الجادة في القرن العشرين ويغرف منها ببراعة لا بل وبخبث أحياناً، حتى لو اختلفنا مع الكثير مما أفضى إليه، لا سيما وأنه موجه للمرأة في الغرب، ولا يخلو من التطرف، ولا يأخذ في الحسبان «الثقافات الوطنية والقومية.. والخلفيات الطبقية والدينية للنساء خارج المجال الغربي»(ص 45) على حدّ تعبير الناقد العراقي الدكتور عبدالله إبراهيم الذي كانت مهمته أصعب في كتابه «السرد النسوي: الثقافة الأبوية، الهوية الأنثوية، والجسد» الصادر عام 2011 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، فقد تناول نصوصاً نسوية بعينها. لكن يبدو لي أنه لم يكن أقلّ حرصاً من رَثفن على محاولة إخفاء موقفه المسبق غير المعجب بعد بالكثير مما تسطره أقلام النساء رغم ذلك الخيار الذي لا يحسد عليه، فابتكر الدكتور إبراهيم للأدب أو السرد النسوي تسمية مواربة جديدة ألا وهي «نصوص المتعة» الصادمة في بادئ الأمر، فهي لا تذكِّر سوى بزواج المتعة. وقد لا يُقبل أن تطلق تلك التسمية على الروايات النسوية الجادّة التي لا تبسِّط الموقف النسوي (ويحق للقارئ مقاومة الجملة الأخيرة هذه، والتساؤل عن ماهية هذا الطرح الذي قد يتبين وحده مع نهاية هذه المقالة!). كما أنه يمكن تصنيف عدد من النصوص النسائية التي تناولها بالتحليل في كتابه ضمن «الأدب المكشوف» (إن كان لا بدّ من التصنيف)، ولكن بشرط أن يشمل العنوان بعض الأدباء الذكور المحدثين في عالمنا العربي، وليس الأديبات المحدثات فقط، فهم أيضا كثر. وموضوع الجسد بحرفيته، وليس بمدلولاته الثقافية والنفسية والإنسانية ولا برمزيته السياسية، يشغل بعضهم أكثر مما يشغل المرأة، فهم أيضا يريدون تحريره كيفما اتفق وفي أسرع وقت ليشبعوا حاجاتهم المكبوتة أولا، لا ليرتقوا بإنسانيتهم ويحرروا المرأة من سطوة الأنظمة الأبوية بمختلف تشكيلاتها. وقد سمعت مُنظراً شيوعياً سورياً يصف كل زميلاته في الحزب بأنهن «*****»! حقاً لا يصلح الفكر وحده ما أفسد الدهر. فلا بأس لديه أن تتحرر المرأة لكن بشرط ألا يطال التحرير زوجته وبناته وأخواته. يكفيه تحريرهن إلى درجة تسمح لهن بالاختلاط في مكان العمل لتحسين وضعه الاقتصادي علّه يصعد معهن يوماً إلى الطبقة البرجوازية. وأنا لا أرى أن هاجس الجسد (مذكراً ومؤنثاً) يقضّ مضجع أدب المرأة دون الرجال كما قد يوحي الكتاب
   وغنيٌ عن الذكر أن أياً من رَثفن أو الدكتور إبراهيم لم يكن أبوياً (أو بطركياً حسب المصطلح الذي أشاعه هشام شرابي من خلال ترجمة أدونيس لكتابه «البنية البطركية») في الطرح من حيث المبدأ، فقد تجاوزا تلك المرحلة الفكرية البدائية، وكانا حريصين على عدم التكلم من منبر الذكورة نيابة عن المرأة أو محاولة هدايتها إلى الصراط المستقيم، ولديهما حساسية شديدة نحو كون اللغة أداة سياسية حادة فـ «كل ما هو شخصي سياسي أيضاً» على حدّ تعبير الشعار النسوي الذي راج في الستينات تأثراً بأفكار المحلل النفساني النمساوي فلهلم رايخ الذي اقتبسه كل من رَثفن (ص 31) والدكتور إبراهيم (ص 39) في كتابيهما. ولكن بدر منهما ما يشير إلى إيمانهما الدفين بأن المرأة لم تكتب أدباً عظيماً بعد. وأترجم فيما يلي بعض ما قاله رَثفن بهذا الصدد: «إن الحديث عن ’الكتابات النسوية‘ (women’s writings) يمكّن النسويات من تجاوز مشاكل القيمة التي تثار في النقد الذكوري عند استخدام مصطلح ’الأدب النسوي‘ (women’s literature)» (ص 40)، ويشير رَثفن بذلك إلى قبول النسويات لمصطلح الكتابات النسوية لتسليط الضوء على كل ما كتبته المرأة عبر التاريخ بما في ذلك الرسائل والمذكرات وقصص الأطفال، الخ.. بصفته جزءاً من الإرث النسوي بغض النظر عن قيمته، بينما يعدّ الحديث عن الأدب النسوي من ابتكارات النقد الذكوري الذي يفترض دونية أدب المرأة. أما اختيار الدكتور إبراهيم لمصطلح «السرد النسوي» عنواناً لكتابه بدلاً من «الأدب النسوي» في ضوء ما أضاءه رَثفن فقد يعني أنه لم يشأ أن يستخدم مصطلح «الأدب النسوي» الذي ترفضه الكثير من النسويات. ولكنه أشار في كتابه إلى «التحقيب التاريخي» للأدب النسوي الذي اقترحته إيلين شوولتر، ويدعو الطور الأنثوي الأخير من ذلك التحقيب «إلى تفرد التجربة الأدبية الأنثوية القائمة على الخصوصية الجسدية والفكرية للمرأة»(ص 217)، وهي دعوة لقيت هجوماً مضاداً من الكاتبة توريل موي لأنها «لا تنسجم مع الحقبة التي أعقبت البنيوية التي تقترح أن يكون المعنى منبثقاً من سياق النص والسياق التاريخي، وأن تكون الهوية ذات بنية اجتماعية ولغوية… كما أن أي موروث أدبي أنثوي لن يكون أقل تعسفاً نحو المرأة من الموروث الذكوري لأنه سيمثل طبقة اجتماعية ديموغرافية معينة من النسـاء فقط.»(1) وأنا أقرّ أنه قد ظهر أدب محوره جسد المرأة، لكن لا ينبغي أن ينظر إليه بصفته إنجازاً للنسوية لأن «الاحتفاء المبالغ فيه بالجسد والأنوثة..هو محاكاة ضدية لمركزية الذكورة نفسها .. وذلك استجابة مستترة غير واعية لما تريده الذكورية نفسها» (الدكتور إبراهيم ص 219).
يبدو أن من جملة ما توصل إليه الدكتور إبراهيم في كتابه هو أن المرأة العربية لم تبتعد بأدبها كثيراً عن جلدها بعد، ولا ألومه في ذلك، فقد تشوّه الفكر النسوي الذي انطلق للارتقاء بالمرأة إنسانياً ولإعطائها فرصاً عادلة في الحياة بالتطبيق العملي على يد النساء أنفسهن، سواء في عالم الواقع أو في مساحة السرد الأدبي المتاحة لبعضهن. ولا ألوم رائدات الفكر النسوي على فشل التطبيق، فالأيديولوجيات جميعاً، سواء الوضعية منها أو السماوية تفشل على الأرض لا على غيوم النوايا، فمن الغباء مثلاً أن تتوقع النسويات من المراهقات الصغيرات الجاهلات اللواتي غادرن الطفولة للتوّ أن يستعملن الحرية التي تقدم لهن بسهولة في غير ما قد يقودهن إلى براثن التحلّل أو التحرّر غير المسؤول، لأن ثمة ضغطاً بذلك الاتجاه باسم الحب يأتي من هرمونات نصف المجتمع المذكر المسؤولة عن نوازع العنف والقتل والاغتصاب في هذا العالم يتضافر مع ضغط الهرمونات المؤنثة التي تكمن فيها نوازع التحرر أو التحلل، وضغط اعتياد تجرّع الابتذال وثقافة العنف ليل نهار عبر وسائل الإعلام المعنية بتلويث مخيّلة الناس وتخدير حساسيتهم الأخلاقية تخديراً مبرمجاً، فيتحولن إلى أدوات للمتعة المجانية أو «نصّ متعة» لا يتوقع منه شئ بعد انفلاته من تلافيف المخ المريض سوى الاستطباب بالانتقام من المجتمع الظالم وصفعه مجدداً بجرعة أكثر تركيزاً مما سبّب المرض، أو الوقوع في ردّة مؤقتة إلى الملاذ الآمن للتزمت الديني وكأن الدين مجرد وسيلة في متناول الأيدي لمحو الآثام

المصدر: 
مجلة نزوى
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة