هل هناك نقد عربي معاصر؟

الأحد, May 17, 2015
كاتب المقالة: 

هذا هو السؤال المبدئي الذي يدور حوله السجال، ومنذ البداية يميز «يقطين» بين المعرفة النظرية الغربية التي يتم إنتاجها بناءً علي آليات ذاتية تحكم صيرورتها، والمعرفة النظرية العربية التي لا تعدو أن تكون صدي لنظريات تنتج خارج مجالها الحضاري والفكري، وهو يري أن تعامل النقد العربي الجديد مع النص العربي مازال محدودًا وقاصرًا، والدراسات التركيبية والتطويرية ـ كما يسميها ـ منعدمة، ويلاحظ يقطين أن هذا النقد مازال في طور البدايات برغم مرور عقدين علي ظهوره، فهو بعد، مجرد عمل أفراد تشبعوا بصورة أو بأخري بالفكر الغربي، أو اطلعوا علي ترجمات لأعمال نظرية إلي اللغة العربية، وهو لذلك لم يراكم البنيات الأساسية التي يمكن أن تسهم في تشكيله وبلورته، وماتزال المجلات والدوريات النقدية المتخصصة عاجزة عن فرض قيم نقدية جديدة، وهو يقترح علاجًا للإشكالية أن نجدد وعينا بالمسار النظري الغربي وكيفية إنتاج الأفكار خلاله، ثم تجديد طريقة التفاعل مع هذه النظريات الغربية، ويتحدث عن أهمية الوسائط: الكتاب، الترجمة، البعثات الثقافية في تحقيق اقتراحه.

ومن جهته يري «دراج» أن النقد العربي الحديث نشأ في عمومية نظرية تتحدث عن الجديد الأدبي والاجتماعي والسياسي في آن معًا دون أن تنجز قولاً واضحًا في هذه الأمور جميعًا عدا استثناءات قليلة جدًا، ويجد دراج تبرير ذلك في القول بأن النقد الأدبي ظاهرة حداثية، فلا معني له خارج مجتمع حداثي في علاقاته الأدبية وغير الأدبية، وقد أخفقت عندنا الحداثة المبتغاة منذ زمن طويل، منذ قرن تقريبًا، وهكذا أجَّل إخفاق الحداثة العربية إلي زمن غير معلوم كل النزوعات الحداثية، بما في ذلك النقد الأدبي بالمعني المؤسساتي. وبعد أن يطوِّق دراج بعشرات المدارس والأسماء والاتجاهات، من الطهطاوي إلي طه حسين والعقاد والمازني، إلي مندور وغالي شكري ولويس عوض، وصولاً إلي جابر عصفور ورفاقه، وبعد أن يطرح اجتهادات النقد «الأيديولوجي» وتضمنه نقد «الفن للفن»، ويعرض لإشكاليات تعاطت مع النقد الغربي في تحليل النص الأدبي العربي وصولاً إلي البنيوية التي جاءت ـ ربما ـ ردًا علي النقد الأيديولوجي التبسيطي، يطرح السؤال: هل توجد ممارسة معرفية عربية محددة يمكنها أن تأخذ صفة النقد الأدبي، ويجيب بالنفي، لكنه من ناحية ثانية يؤكد علي وجود نقاد أدبيين عرب ويقدم أسماء لها جهود ملموسة في هذا المجال منها عبد الفتاح كليطو ويمني العبد وعبد الله الغزامي ومحمد لطفي اليوسفي وعبد الرزاق عيد وجابر عصفور.

وتمثل الفكرة الأخيرة بالذات محور انتقاد «يقطين» في تعقيبه علي دراسة «دراج»، ويتساءل كيف يوجد نقاد ولا يوجد نقد، ويرفض كلام دراج عن غياب المؤسسة النقدية، فالصحافة والجامعة موجودان وإسهامات هؤلاء النقاد تتم عبرهما، ولا يمكن ـ بحسب يقطين ـ أن نربط غياب المؤسسة النقدية العربية بإخفاق مشروع الحداثة العربية، ويؤكد يقطين علي أن المؤسسة الغائبة عندنا ليست النقدية فهي موجودة، وليست الدولة فهي مهتمة، لكن المؤسسة الغائبة هي المؤسسة العلمية، وهي غائبة في كافة الحقول بما فيها الأدب، ويتفق دراج مع يقطين في ثلاث قضايا هي غياب التراكم الكيفي في حقل النقد الأدبي العربي، والمحاكاة الصماء للناقد الغربي، والهرولة لكل وافد كي نركب موجته، ويختلف معه في جزئيتين مهمتين: أولاهما أنه لا يمكن الحديث عن نقد أدبي حداثي دون ربطه بالحداثة الاجتماعية في شمولها، وهي مسألة أكد عليها دراج في صحبته وأشرنا إليها، وثانيتهما تتصل بإشكالية السلطة، والنقد لا يمكنه أن ينتعش إلا في مناخات من الحرية وسعة الأفق، فهو يصرح ولا يلمح، ولا يمكنه أن يعتمد حيل الترميز والإحالات والاختباءات التي يمارسها النص الإبداعي، لأن وظيفته ببساطة، أن يفك شفرة النص.

الكتاب : آفاق نقد عربي معاصر. سلسلة ( حوارات لقرن جديد )

تأليف : سعيد يقطين - فيصل دراج

الناشر : دار الفكر دمشق,232 صفحة

المصدر: 
مجلة وجهات نظر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة