إسلام أم ملك يمين

تحاول الكاتبة في بحثها تجاوز منظومة القيم الثقافية الراكدة الساكنة التي تميزت بأحادية فكرية ناهجة منهج (الاجتهاد فرض على كل مسلم ومسلمة).

وهي في ذلك تسعى للاحتكاك بالأفكار التقليدية في الفقه السائد لتتناسب مع مستجدات اللحظة التاريخية في فقه تنويري يؤمن برسالة الإسلام الحضارية في كافة شؤون الحياة وخاصة فيما يتعلق بفقه المرأة، فهي تدعو لإحياء امرأة القرآن (المجادلة) وتتكئ في مجمل بحثها على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهجه وسلوكه المجسد لجوهر الكليات القرآنية، وتستدعي السيدة عائشة لتقدم شهادات عميقة المغزى حول إنسانية الرسول صلى الله عليه وسلم وروعة تعاملة مع المرأة في عصر بلغت التكنولوجيا قمتها لكن للأسف أفرزت عصراً صناعياً تميز بانحطاط أخلاقي مادي بحت.

لقد اعتدنا جميعاً أن نتلقى دون أدنى حركية من الانفعال الذي يليه مخاض لا بد سيساهم في إعادة قراءة جديدة لفقه المرأة المسلمة على أساس إسلامي متين سيوضح صورة الإسلام الحقيقية.

تأليف د. فريال مهنا

تهدف الكاتبة في بحثها إلى مبدأ الوحدة التشاركية بين المرأة والرجل القائمة على أساس الاحترام والمودة والرحمة، وهي كلها من حيثيات رسالة الإسلام، فقد ابتعد فقه المرأة عن المرجعيات الإسلامية الأولى وغرق في عادات وتقاليد وجمود. وانطلاقاً من أن الاجتهاد فريضة على كل مسلم قادر فهي تحاول أن تتحرك وتجتهد دون المساس بأي من مسلمات العقيدة بل يتقاطع معها.

في الفصل الأول الكليات والتفضيل

تؤكد الكاتبة أن البعد الأنطولوجي (الوجودي) واحد في التنزيل الإلهي، فالله لم يخلق تمييزاً بين ذكر وأنثى بنية وتشكيلاً، خلقاً وتكويناً جسداً (وَلَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ( [المؤمنون: 23/12] روحاً ونفساً: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ( [الأنعام: 6/98].

ثم تورد الكاتبة ملابسات أول الخلق الواردة في القصص الديني حول ملابسات إخراج آدم وحواء من الجنة، إذ يقول تعالى: (وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ( [البقرة: 2/35].

(فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (*) إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرَى (*) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها وَلا تَضْحَى (*) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (*) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (*) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدَى( [طه: 20/117-122].

يتضح من هذه الرواية القرآنية التي يوجه فيها الله أوامره لآدم أن الشيطان لم يخاطب آدم وحواء معاً ولم يتوجه إلى حواء وحدها وإنما خاطب آدم تحديداً، ما يعني أن حواء لم تحتك بالشيطان ولم تتواطأ معه ولم تغو آدم لكي يأكل من الثمرة كما هي في قصص التراث الإنساني جميعاً، إنما كانت بعيدة عن لحظة الإغواء الشيطاني ولكنها استجابت لآدم الذي خضع هو لوسوسة الشيطان ومن ثم دفع حواء لأكل الثمرة فعصى ربه وغوى ثم تاب عليه وهدى، ولكن أغلب كتب التفسير والشرح في التراث الإسلامي لا تُبرئ حواء من العصيان، ولكن الحيثية القرآنية توضح أن حواء لم تتعاطَ مع الشيطان، وهي بهذا لم تكن مدعوة للتوبة، وهذه هي أولى الإشكاليات التي يتغافل عنها الفقه التقليدي السائد.

إضافة إلى أن التنزيل أرسى حقوقاً قاعدية للمرأة أهمها حقها في الحياة عبر إدانة وأدها في الجاهلية، وحقها في التساوي بالرجل أمام التكليف والجزاء والحدود والعقوبات الشرعية وأهلية التصرفات والتعاقدات المالية.. لكن الإسلام فضَّل المرأة أكثر في حال حقوقها في مال زوجها حيث لم يجعل للزوج حقاً أصلاً في مالها.

البعد الاستومولوجي وهو البعد الذي تنبني عليه المعرفة والنشاط العقلي والسيرورات السلوكية والأعمال والممارسات والتصرفات والخيارات، فهي منظومة قيمية متكاملة في المرجعية المقدسة، تستكمل إحداثيات الخلق وتتفاعل مع منظومة المصير الإنساني مجسدة ماهية الخلافة ومساراتها ودوافع الأمانة وآليات حملها ومناط التكاليف وصيرورتها، واضعة منطلقات قاعدية لتنظيم الملامح الإنسانية للاجتماع الإسلامي.

يقول تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ( [البقرة: 2/31].

(فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا( [آل ‌عمران: 3/195].

ونحن نعلم أن المرأة خاضت الهجرتين وأخرجت من ديارها وأوذيت في سبيل الله منهم بنات الرسول صلى الله عليه وسلم (أسماء بنت أبي بكر) وهذا في حد ذاته إن دلَّ على شيء فهو يدل على وجود إرادة إلهية وتصميم إلهي على تكريس هذا الشرط المعرفي والوجودي الجديد للمرأة عن طريق إرسال إشارات للمرأة وذلك فيما ورد عن أبي هريرة من أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه خديجة فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني.

البعد الأنثوي: يحض الله عز وجل على استكمال كينونة المرأة وشرطها الأساسيوالالتفات إلى المرأة الأنثى من خلال احترامها كأم وزوجة، وهذه هي المرتكزات الأزلية في الهوية الوجودية والمعرفة للإسلام، لكنها للأسف بعيدة عن مجريات الفعل لأن هناك فقهاً يسعى لتغييبها.

قصة الدرجة والقوامة: في آيات كثيرة ذكرت أفضلية الرجل على المرأة ليس في الجانب الوجودي وليس في الماهية وإنما في جوانب معرفية مرتبطة بمستويات تطور البنيات الاجتماعية والثقافية والقيمية لمجتمع خارج لتوه من جاهلية نظمت.

الشيطان لم يخاطب آدم وحواء معاً ولم يتوجه إلى حواء وحدها وإنما خاطب آدم تحديداً.

الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرفع يده الكريمة قط نحو امرأة من نسائه إلا ملاطفاً أو مداعباً أو مواسياً.

وضعية المرأة حسب تعبير عمر بن الخطاب (لا يعدون النساء شيئاً) وكانوا يصابون بالهلع من مجرد مراجعة الزوجة لهم في أي شأن من شؤونهم، أما فيما يتعلق بآية القوامة فقد اقترنت بمجيء امرأة سعد بن الربيع واسمها حسيبة بنت زيد، وهما من الأنصار، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((لتقتص من زوجها)) وانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي (ص): ((ارجعوا)) هذا جبريل عليه السلام أتاني، وأنزل الله تعالى هذه الآية: (الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ( [النساء: 4/34].

لكن الكاتبة ترى هنا أن نزول آية القوامة بهذا الشكل التداركي يدل على حصول شيء ما لدى طلب الرسول الاقتصاص من الزوج الضارب بموجب آية القصاص التي يبدو أنها شجعت المرأة وأباها على الاحتجاج وطلب الاقتصاص من زوجها الضارب.

ولعله من المنطقي الاعتقاد أن الرجال فجروا ثورة صغيرة احتجاجاً على الحكم النبوي، وأن التنزيل جاء ليحسم الموقف الحرج الذي كان يمكن أن يفضي إلى عواقب لا بد ستشكل خطراً على الدعوة، وهذا يعني أن التدخل الإلهي في تفاصيل هذا الحدث نجم عن حاجة ملحة لوقف التمرد على الحكم النبوي قبل تفاقمه.

وترى الكاتبة في معرض بحثها أن الآية تحتوي مشروطية واضحة {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا( نجمت عن خشية إلهية من أن يتوغل الأزواج حديثو العهد بالإسلام في استخدام العنف ضد زوجاتهم مستمدين من الآية قوة، في مناخ لا يزال مثقلاً بقيم جاهلية متجذرة تحط من قيمة المرأة.. إن آية الضرب هي آية ترخيص ومنع وتحذير في الوقت نفسه ترخيص في حالات النشوز ومنع في حالات العودة إلى الطاعة.

وهكذا انتهت الأزمة التي كانت تتفاعل وحُسم الأمر في تدخل إلهي أحدث نقلة داخل الجماعة الإسلامية.

آيات التفضيل الأخرى: ثمة آيات أخرى جاءت لتبوئ الرجل مواقع تفضيلية على المرأة في أطر تقع خارج الحياة الزوجية لعل أكثرها أهمية آيات الشهادة والإرث التي جرى ويجري حولها نقاش وجدال غير محسومين، وقد شكلت تفسيراتها على مدى العصور الإسلامية مرتكزاً قوياً لتثبيت تفضيل الإسلام الرجل على المرأة في مجالات تتَّسع أو تضيق حسب معطيات كل عصر.

وهكذا فإن السلف بنى على آيات القوامة والدرجة والشهادة والإرث وغيرها صروحاً فقهية، تجاوزت الخاص إلى العام، وأخضعت الأصول للفروع وحوّلت الحالة الاجتماعية للمرأة في عصور غابرة إلى طبائع تكوينية وخاصيات جينية متأصلة فيها، معممة حالات محدودة وظرفية برزت ضمن سياقات تاريخية معينة، إلى قوانين شاملة، لها صفة الديمومة، الهدف منها تكريس دونية المرأة وتبعيتها، داخل وخارج إطار الزوجية، مما أدّى إلى ابتعاد متزايد لفقه المرأة المتراكم عبر مئات السنين، عن المقاصد القرآنية وعن القوانين الإلهية الإطار التي حددت لبني آدم، رجلاً وامرأة، حقيقة وجودية، ومعرفية واحدة، تستند إلى قيم الميثاق والتكليف والاستخلاف والولاية والتكريم للجنس البشري برمّته وما أفضى إلى مخالفة هذا الفقه، في نهاية المطاف، لأمر الله عزّ وجلّ (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ( [الزمر: 39/55].

هناك اجتماع في مؤلفات السيرة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرفع يده الكريمة قط نحو امرأة من نسائه إلا ملاطفاً أو مداعباً أو مواسياً، أي كان خلقه القرآن الكريم، متخذاً جانب الحيطة والحذر ومتبعاً لمنهج التدرج والتسوية في إحداث التغيير واستخدام أساليب المسايرة واللين في عملية بناء أسس مرتقبة للمجتمع إذ كان يعمل على تفعيل دور المرأة في المجتمع الإسلامي الفتي.

السنة والتفضيل: لخوف الرجال في العهد الجاهلي من أن زمام الأمور بدأ يفلت من أيديهم، وأنهم باتوا يفقدون سلطتهم المطلقة ومن أجل الحد من الهجمة النسائية المستمدة من جوهر القوانين الإلهية الإطار التي حققت للمرأة انعتاقاً كاملاً مارس الرسول صلى الله عليه وسلم ، من خلال أحاديثه، عملية ردعية تكتيكية، تهدف إلى لجم اندفاعة المرأة، محققة في الوقت نفسه نوعاً من التوازن المؤقت بين جاهلية الأمس وإسلام اليوم.

الطاعة والسجود: ثمة أحاديث وردت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، لعنتها الملائكة حتى تصبح))، ولكن ترى الكاتبة أن هذه الأحاديث لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ليتفوه بها لولا إلحاح الرجال عليه ومراجعته يومياً بضرورة ردع المرأة التي ذئرت.. ولولا إدراكه أن المرأة أخذت بعيداً في تمردها وفي سعيها نحو نيل وممارسة حقوق منحها لها التنزيل أزلياً، وكان عليها أن تسعى إلى تطبيقها تدريجياً.

التكتيك النبوي واستراتيجيات الفقه: ترى الكاتبة أن الفقه المهيمن الذي تجنب، عبر مختلف العصور الإسلامية شرح الكليات القرآنية، ومنطلقات التنزيل وجوهر الرسالة وأبعادها الإنسانية فيما يرتبط بالمرأة وجوداً وموقعية، شرع في الترويج لهذا الضرب من الأحاديث، بكثافة غير عادية وعمل باستمرار على تغذية هذه الأحاديث بسيل من القصص والروايات المبسترة والمقتطعة من سياقاتها ليشغل بها عامة المسلمين عن جوهر الإسلام وأساسياته، فنرى ذلك واضحاً في مقولة (طاعة المرأة العمياء لزوجها) والتي تشكل ركناً من أركان وجودها في دنياها وآخرتها وهي جواز مرورها إلى الجنة ونجاتها من نار تستهدفها تحديداً، لنقص في عقلها ولسفاهتها وجحودها وقلة صبرها.

حاولت الكاتبة في كتابها التصدي لتحديات الحقبة الحضارية الراهنة التي تبرز يوماً بعد يوم، عمق التناقض بين المقاصد القرآنية ذات الطابع الكلي وبين ركام هائل من فقه المرأة، ابتعد عن المرجعيات الأولى للإسلام وغرق في ترّهات وانحرافات تفوح منها رائحة غابرة وتهيمن عليها عادات وتقاليد وأعراف عصور مغرقة في القدم.

ولا شك أن إحياء امرأة القرآن الكريم اليوم، عبر تحرير كلياته ومنطلقاته من أسر طال أمده، يثير تخوفاً لدى العديد من المرجعيات التقليدية الحريصة على استمرار الواقع الساكن والآمن ويثير امتعاضاً في أوساط أولئك الذين يحملون على تحويل المرأة إلى رأس حربة لمواجهة احتياجات العولمة بكل أشكالها.

كانت هذه وقفات بسيطة استطعنا أن نستعرضها للقارئ الكريم، لكن الكتاب يحفل بالكثير من القراءات الجديدة للفقه الإسلامي للمرأة ليحل معضلات كثيرة ضمن إطار المرجعية المقدسة غير المستغنى عنها وضمن نطاق السنة الصحيحة، بكل تجلياتها القولية، والفعلية والسلوكية.

إن آية الضرب هي آية ترخيص ومنع وتحذير في الوقت نفسه ترخيص في حالات النشوز ومنع في حالات العودة إلى الطاعة.

مجلة أيام الأسرة

عدد تشرين الأول 2007

عرض وتلخيص: هنادي الحصري


بحث
Ar  
 المؤلف  العنوان
الموضوع
اشترك في نشرة جديد إصدارات الدار
البريد الإلكتروني