الغضب الإسلامي

أحمد عمر

*الكتاب:الغضب الإسلامي

*الناشر:دار الفكر ـ دمشق 2007

*الصفحات:200 صفحة من القطع الكبير

معتز الخطيب باحث دمشقي في الإسلاميات، من أعماله: خطاب التجديد الإسلامي، والمثلثات اللغوية، يعد للدكتوراه حاليا وله مساهمات صحافية وإعلامية.. «الغضب الإسلامي» عنوان لا يتأسى بعنوان برنار لويس «جذور الغضب الإسلامي» مباشرة فهو يدفع تهمة تكوينية العنف في المجال الإسلامي، في حين أن لويس يؤكدها.

الإرهاب ليس مصطلحا قانونيا ولا يزال تعريفه مرنا ومربكا، ويأتي في سياق المقاومة والتحرر الوطني. كما أن اسلمته تنطوي على طهرانية يدعيها الطرف الغربي من اجل احتكار ممارسته. والخلط المتعمد بين الجهاد المشبع بالرمزية الدينية، والعنف يجانبه الاتساق على المستوى المفهومي، لتداخل الاعتبارات الفقهية التقليدية مع البيئة الاجتماعية والسياسية. لرد على القائلين بتكوينية العنف في الأصولية الإسلامية يكون بالسؤال: لماذا يثمر هذا العنف لدى جماعات إسلامية دون أخرى؟ ولماذا لم يظهر هذا التيار من قبل؟ كما أن الأصولية ليست خاصة بالإسلام، فالأصولية الهندوسية عنيفة وشرسة وإن لم تجاوز الهند مكانا.

ثمة فرق بين العنف والجهاد، الذي يتعدى فقهيا من القتال إلى مجاهدة النفس، والمشروط بمبادئ أهمها: الوفاء بالعهد واحترام الإنسانية، فالتجويع والتشفي والإضرار محرمة شرعا. الجهاد لا يحل حراما وينتهي بإعلان الإسلام أو الاستسلام. ثمة مفارقة أخرى بين مفهومي الجهاد الإسلامي والحرب التي تُربط بالمصالح، والمفارقة تعكس «أزمة حضارة»، فمصلحة الدولة نسبية، فكيف إذا كانت أميركا ترى مصلحتها أولوية كونية. ويرى المؤلف أن تعليل العمليات الاستشهادية يعمل دون تحول « فقه النكاية» إلى عمل وحشي، لكنها إشكالية حقا وتحتاج إلى مزيد من التقييد، ويحذر من إطلاق القول بجهاديتها.

يشير الخطيب إلى أن مصطلح الجاهلية المعاصرة قديم ويعود إلى مصطفى صبري رئيس المشيخة العثمانية وليس إلى سيد قطب، لكنه أثمر وشاع عندما واتته البيئة الاجتماعية والسياسية في العهد الناصري، فتحول إلى جهاد ضد الداخل قبل الخارج.

ويفسر ظاهرة العنف بعجز محاولات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسخط على الحكومات الاستبدادية الفاسدة، وأنانية النظام العالمي الجديد، ويشير إلى أن العنف المسلح ظهر في ظل الدولة القطرية وموقفها من الدين ودوره في حياة المجتمع وسلوكياته تجاه أهداف عليا. كما يلفت إلى دور الحكومات التسلطية في صنع العنف الوظيفي لإثبات شرعيتها القمعية (الجزائر مثلا).

في الدولة القطرية تشظّت وظيفة الجهاد فمع انفصال الدين عن الدولة تفاوتت الفتاوى في سبل تحرير الكويت أو تحرير العراق أو تشريع مقاومة المحتل الأميركي. زاد من إشكالية الجهاد ارتهان الفتوى للسلطان، وانتقال ممارسات الجهاد من أحكام «الإمامة» إلى «إمارة» جماعات معزولة، كما ظهرت تعبيرات جديدة مثل الجهاد السياسي والجهاد الاقتصادي والجهاد المدني...

ويخلص الخطيب إلى فوارق جوهرية بين العنف والجهاد الذي يعنى بقضايا الشأن العام ويجمع الديني للسياسي، ويتميز بوضوح وسائله والتزامه بأحكام الشرع ومكارم الأخلاق، قبل، وفي أثناء، وبعد القتال. كما أن الجهاد لا يبرر الوسيلة مثل العنف (استهداف المراكز المدنية). الجهاد احد اثنين: إما لإعلاء كلمة الله أو لحفظ الكليات الخمس، ويشرط فيه الإجماع.

وقياسا عليه يصف الخطيب جهاد القاعدة بالجهاد العبثي؛ لغياب البعد السياسي، وضبابية الهدف، والانتقال من المركز في فلسطين إلى الأطراف (أفغانستان وكشمير والشيشان) وكان لهذا نتائج قاسية هي: العنف المعاكس في فلسطين والشيشان وكشمير وأميركا نفسها، والإضرار بمفهوم الإسلام نفسه... النية لا تبرر، فطريق جهنم مفروش بالنوايا الحسنة.

مصطلح الإرهاب لا يزال غامضا وغموضه يجعله عرضة للتطويع الانتهازي، بدليل اعتبار إرهابيي أفغانستان ضد الشيوعية «مكافحين من اجل الحرية». ظهرت مصطلحات أخرى مثل «الإرهاب الجديد» و«فرط الإرهاب» بعد أحداث سبتمبر... مهما يكن فقد أيقظت أحداث سبتمبر المخزون الثقافي والصورة النمطية للمسلم وحولت الاتهام للدين نفسه.

خمسة تفسيرات «للإرهاب الإسلامي» تبناها الغرب أولها هو التفسير الديني، مع الإشارة إلى أن التفسير قد يعني التبرير أو يخفف من الإدانة أو يسعى للتفهم بدلا من سوء الفهم النمطي. التفسير الديني هو التفسير الصليبي، فالحملة موجهة ضد الكفار والتفسير الديني له ما يؤيده في خطابات بوش الأولى وصولا إلى فسطاطي ابن لادن. و يرِد هذا التفسير في كتابات فرانسوا هايزبور وفريقه الفرنسي الذي يرى أن الإرهاب كان سياسي النزعة بداية وفي التسعينات تحول مع تنظيم بن لادن وفرقة آوم شنريكو اليابانية إلى إرهاب ميتافيزيقي.

اعتنقت» قيادات اليمين الأميركي التفسير الديني، مثل فرانكلين جراهام وجيري فالويل وبات روبرتسون والفرنسيين مثل آلان ميك ولوران ارتور دوبلسيس والاب موريس يورمان وجنا هولند متلاري.. مشكلة هذا التفسير «الاستشراقي التقليدي» انه يختزل الإسلام إلى الجهاد (جيل كيبل) ويفتقر إلى مقومات العلمية حين يشطب تنوع الفكر الإسلامي وعلومه ويحصرها بفكر سيد قطب (بول بيرمان).

كما يعتبر هذا التفسير أن الجهاد القومي جزء من الجهاد الإسلامي فمقاومة الاستعمار الحديث كانت تستمد زخمها من العقيدة الإسلامية. ولم تخفف من غلواء هذا التفسير ملاحظات كتاب غربيين معروفين مثل بروس لورانس الذي قال إن الإسلام ليس عنيفا بطبيعته، وجان بورديار الذي اعتبر إرهاب سبتمبر ردا على رعب النظام العالمي الجديد، وجاك دريدا الذي اعتبر التفسير الديني قاصرا ويوظف العلوم الحديثة الجامدة لوحي «الواحد الأحد الإسلامي».

ويشترك مع هذا التفسير بدرجات أخرى أوليفه روا الذي فسر تغذي العنف على الإسلام بالتهميش الاجتماعي، وفريتس شتيبات في كتاب «الاسلام شريكاً» وأستاذه فالتر براونه في «ضرورة مشاركة الإسلام» إلى خيبة أمل المسلمين في الغرب ولجوؤهم إلى منابع الإسلام الأصلية.

التفسير الثاني للإرهاب الإسلامي هو الثقافي ويتلخص في انهيار الهوية. إن أطروحة فوكوياما عن نهاية التاريخ وهنتنغتون عن صدام الحضارات تعتمدان التأصيل الثقافي للاستراتيجيات السياسية. تنضم إليهم شيرين هنتر التي ترد سبب إخفاق التحديث إسلاميا إلى كراهية المسلمين للتفكير العقلاني وأولوية العقيدة على الاقتناع عندهم، وأولوية المجتمع على الفرد، والتداخل بين الروحي والدنيوي والخاص والعام ويتبنى التفسير الثقافي الروائي نايبول في «بين المؤمنين» وارنست غلنر في «أصولية الإسلام التأسيسي».

وكليفورد غيرتر في «تشرذم الإسلام وفوضاه الضاربة» وبرنار لويس الذي روج للحقد والكراهية الإسلامية الحاسدة للغرب، وجاك جوليار في «بؤس النزعة المعادية لأميركا» والتي يعارضها نعوم تشومسكي. هناك تفسيرات ثقافية أخرى ترى في ابن لادن نتاجا حداثيا للعولمة وبطلا رومانسيا يحارب الحداثة بأدواتها (جون غراي).

يعطي جراهام فولر أسبابا أخرى لتزايد الإرهاب الإسلامي أهمها الاستبداد وتأييد الغرب له، وإسرائيل، وجغرافيا العالم العربي، وعائدات النفط «الأبوية» التوزيع. وفي تطبيقات التفسير الثقافي راجت مصطلحات مثل «تحديث الإسلام» و«الإسلام الأميركي» و«الإسلام الليبرالي»، لحل مشكلة الإرهاب الإسلامي، وهي مصطلحات تتعامل مع الإرهاب بمنطق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في آيات القرآن التي يجب حذفها أو تهميشها.

التفسير السياسي يضيع في زحمة التفسيرات الأخرى التي تحيل الأزمة إلى الآخر الخارجي، فردُّ الأزمة إلى العولمة والهيمنة، كما يرى تشومسكي، مناسب للغربيين لأنه يعفيهم من المسؤولية السياسية في تأزيمهم مشكلة العالم الإسلامي. في هذا الصدد نجد قليلين مثل جراهام فولر الذي حذر من أن دعم الليكود وتمديد مشكلة فلسطين يخصب الحركات الإسلامية المتطرفة.

التفسير الثالث هو التفسير الاستراتيجي للعنف ويندرج في النظر إلى الإسلام بوصفه «خطرا اخضر» ضد الغرب كمفهوم جيو سياسي. ومنهجية النظر هنا تتم في إطار الثنائيات (شرق وغرب، شمال وجنوب..) وقد همشت كل الثنائيات وبقيت ثنائية الإسلام والغرب، فأي غرب يتم التحدث عنه؟ الإيديولوجي أم الجغرافي أم السياسي؟ وكيف يمكن وضع الجغرافيا ضد العقيدة؟ أما التفسير الفلسفي للإرهاب فاقتصر على بعض المفكرين مثل جاك دريدا الذي اخضع الإرهاب للتفكيك وعزله عن العقيدة وحلله من مدخل اللغة وجان بورديار الذي فصل بين عاطفته كغربي وموقفه من الحدث.

وكان لابد من وقفة مع فكر سيد قطب، بوصفها العباءة التي تحركت في ظلها عنف الجماعات الإسلامية، أول ما يلحظه الخطيب هو قراءة قطب في الجاهلية الجديدة بمعزل عن سياقه الزماني والمكاني، والنزعة الاطلاقية للحركات الاسلامية التي تنظر إلى الأفكار بوصفها متعالية وفتحا من السماء، زاد من «ايقنة» قطب استشهاده على المبدأ، فغصت بفكره التنظيمات الاسلامية فلم تقدر على هضمه أو لفظه.

المشكلة مع قطب مشكلة قراءة لا مشكلة تأليف. فالمنظمات الإسلامية لم تعر ظروف التأليف في السجن بالا، وتعاملت مع نصوصه وآثاره بإطلاق دون مراعاة لزمنها، كما أنها طربت للغته الأدبية المجازية القائمة على التشبيه والتخييل والتي تضطرب فيها المعاني، المطلوبة عادة من المفاهيم لا من الألفاظ. يمكن إيجاز أهم سمات فقه العنف في: اجتزاء النصوص الدينية، وتوثين الفقه الذي يصير تعبديا اعتقاديا لا فكريا واجتهاديا، والمبالغة في فهم فقه النكاية.. وغياب «النسخ» في الفكر الإسلامي.


بحث
Ar  
 المؤلف  العنوان
الموضوع
اشترك في نشرة جديد إصدارات الدار
البريد الإلكتروني